إن من عدل الله وحكمته أن جعل كل إنسان مبتلى بالخير (العطاء) في بعض أموره، ومبتلى بالشر (المنع) في أمور أخرى، فلكل إنسان نقاط قوة ونقاط ضعف، والناجح هو الذي يستثمر في نقاط قوته ليستدرك ضعفه ويحقق أهدافه.
والشيخ السالمي مثال جيد لهذا المبدأ، فقد حقق إنجازات كبيرة علمية ونهضوية؛ حيث يكفيه أجرا وفخرا أن الله أحيا على يده الإمامة بعد موتها، كما أنه نظم ما يزيد على 18 ألف بيت من المنظومات العلمية، وألف ما يربو على 25 مؤلفا. وأعجب من هذا وذاك أنه لم يعمر طويلا فلم يبلغ عمره الخمسين على أقصى التقديرات، وستمتلئ نفسك دهشة وإعجابا إذا عرفت أن هذا الشيخ قد عاش أغلب عمره ضرير البصر؛ حيث فقد حبيبتيه لما كان عمره 12 سنة. نعم هذا هو الشيخ السالمي الذي جمع باقتدار بين العلم الغزير والقيادة الحكيمة، وقل من يفعل ذلك.
أولا: من هو الشيخ السالمي؟ نبذة عن حياته
هو عبد الله بن حُمَيد السالمي، ويلقب بنور الدين، ولد في بلدة الحوقين بسلطنة عمان، سنة 1284هـ/1867م. انتقل مع أسرته إلى بلدة "الرستاق"، ومكث فيها ثماني حجج، ثم سافر إلى "المضيبي"، ومنها تزوج، ثم انتقل إلى "قابل" ليتتلمذ على شيخه صالح بن علي الحارثي.
ويروى أن الشيخ كان قليل الرغبة في طلب العلم لما كان في بلدته الأولى "الحوقين"، وكان أبوه يحثه ويحرضه على العلم؛ لكن دون جدوى، وما أن انتقل الشيخ إلى بلدة الرستاق حتى وجد نفسه محاطا بالعلم والعلماء والمكتبات؛ فاشتعل حماسه واتقدت همته وأقبل على العلم يلتهمه التهاما، ويمكن القول إن الجانب العلمي من شخصيته قد بنى أغلبه في "الرستاق"، أما الجانب القيادي فبنى أغلبه في "قابل" على يد الشيخ الحارثي كما سيأتي.
أما الشيوخ الذين صنعوا للأمة هذا العلم فهم كثيرون؛ لكني سأكتفي بذكر ثلاثة منهم.
أما شيخ السالمي الأول فهو والده الذي حفظ على يديه القرآن الكريم، وما أجمل أن تلد الموهبة في بيت يعرف قيمتها، ويسقيها بالرعاية والاهتمام.
وأما الثاني فهو الشيخ ماجد بن خميس العبري الذي كان واليا على مدينة بهلا في دولة الإمام عزان، وهي آخر إمامة سقطت قبل الإمامة التي أحياها السالمي. ويبدو أن الشيخ ماجد كان يبث في السالمي فكرة الإمامة وضرورة إحيائها، هذه الفكرة التي نمت ونضجت على يد الحارثي، الذي يعتبر أكبر مؤثر في شخصية السالمي.
وللشيخ الحارثي قصة مع الإمامة... فقد كان يسكن في الصومال، وكان هم الإمامة يسكن وجدانه ويثير همته وحماسه؛ فحاول إحياءها هناك؛ لكنه لم يوفق؛ فانتقل إلى عمان، وتعاون مع الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي فأقاموا دولة الإمام عزان؛ لكنها سقطت بعد مدة من الزمن وقتل الإمام عزان والشيخ سعيد بن خلفان، فلم يفشل الشيخ الحارثي؛ بل كرس ما بقي من حياته لنشر العلم، ومحاولة إحياء الإمامة؛ لكن الله تعالى لم يشأ أن يرى ثمرة جهده، وتوفي في إحدى المعارك.
وتوفي الشيخ السالمي في الليلة الخامسة من ربيع الأول سنة 1332هـ، يوافقه 31 جانفي 1914م.
يأتيكم في الحلقات التالية:
ثانيا: الآثار العلمية (المؤلفات والتلاميذ)
ثالثا: الآثار القيادية (إحياء الإمامة)
رابعا: العبر المستخلصة
ناصر بن اسماعيل بورورو
طالب باحث في الماجستير- الأردن