ّدورات و تربصات
كلمة بمناسبة تدشين دار القرآن الكريم العنوان
10-09-2008 التاريخ
عودة إلى القائمة  
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسسة الشيخ عمي سعيد ـ غرداية

دار القرآن الكريم

 

الكلمة الافتتاحية

 

الحمد لله الذي نور العقول بالقرآن، وأرسل خير الرسل للأنام، فكانوا مشكاة إلى سبيل الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الناس إسلاما وأقواهم إيمانا وأحسنهم خلقا، عليه أفضل الصلاة والسلام.

مشايخنا الأجلاء، أساتذتنا الفضلاء، ضيوفنا الأعزاء، أيها الطلبة النجباء، طبتم وطاب مقامكم وتبوأتم من الجنة منزلا نزلتم سهلا وحللتم أهلا  والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد:

ها نحن اليوم نحتفل بميلاد مولود جديد في بلدتنا بل في جزائرنا بل في العالم الإسلامي، والذي تفتخر به الأمة الإسلامية برمتها، إنه ميلاد دار القرآن الكريم بثوب قشيب بعدما استكمل مدة الحمل والرضاع لمدة ثلاث سنوات من البناء والتشييد، إنه اليوم يظهر بحلة أنيقة جديدة مجهز بكل وسائله ومرافقه الضرورية من قاعات ووسائل ، هاهو اليوم يتحقق الحلم الذي كان مخططا في الأوراق ثم جسده الله تعالى في الواقع بتوفيق رجال رحم الله المتوفين منهم وبارك في أعمار الذين هم على قيد الحياة.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم         وتأتي على قدر الكرام المكارم

وأخص بالذكر أولئك الذين فهموا أن المال المسخرَ بين أيديهم إنما هم مستخلفون فيه وعلموا أن التجارة الرابحة هي التي تدر بأرباح طائلة ومضمونة لأصحابها إنما تلك التي ينفقونها في سبيل الله خاصة في سبيل العلم والتعلم وبالخصوص في حقل القرآن الكريم، إن دار القرآن هذه التي أنتم في رحابها سميت بدار القرآن ذلك أن القرآن الكريم هو الخالد في إعجازه، لا يزيده التقدم العلمي إلا رسوخا، وهو الحجة البالغة على خلقه تَعبده بتلاوته وتدبره، وفهمه والعمل به كما أطلعهم على بعض أسراره في مُلكه وملكوته، ذلك أنه أيضا كتاب هداية ، ومنهج حياة، بين فيه لعباده ما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يضرهم وما ينفعهم بأسلوب مشوق ومشرق، لا عوج فيه ولا التواء، إنه عبر عن واقعهم، وسطر حدودا لرغباتهم على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم وأجناسهم، فما من شيء يحتاجونه من شؤونهم الخاصة والعامة إلا شمله تشريعه ووسعه بيانه. قال تعالى { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}النحل 89

فكان هذا الكتاب بحق وثيقة جامعة أفاضت في شرح الحقوق والواجبات إفاضة منقطعة النظير، تضمنتها أحكام جامعة وقواعد كلية، وأناط بالرسول عليه الصلاة والسلام بيان ما قد يغمض على بعض الناس فهمه، فكان بيانه استنباطا من القرآن نفسه بقدرة منحها الله وكيفية معينة علمه الله إياها ذلك حين قال له {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}القيامة 16 ـ 19 وإنه الذكر الحكيم الذي علم الناس الحكمة وبها يستطيعون أن يضعوا الأمور في مواضعها ويتعرفوا على الحياة المطمئنة والسعادة المرجوة في الدنيا والآخرة {هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} الجمعة 02 .إنه الدواء والشفاء والغذاء وهو الحياة في أسمى صورها وأجل معانيها، لهذا جمع المسلمون الأوائل كل قواهم وكرسوا جل حياتهم لخدمة هذا الكتاب العظيم، ولم يدخروا جهدا في حفظه وتدوينه وتفسيره واستنباط أحكامه والتنقيب عن لطائفه وأسراره والعمل به والسير على نهجه وأنفقوا فيه من المال والوقت الشيء الكثير فتركوا لنا تراثا خالدا.

وتتابع الغيث من بعدهم إلى يومنا يفتح للباحثين في كتاب الله تعالى أبوابا واسعة من العلم والمعرفة ويتيح لهم أن ينهلوا من معينه ما شاء الله في يسر وسهولة لاسيما بعد معرفة بعض عباد الله تعالى لأهدافه الحقيقية وأغراضه اليقينية من شباب أحسوا أنهم في خطورة وسط عواصف تكاد تذْهِب ريحَهم حيث لا تبقي ولا تذر، وأيقنوا أن لهم أمامهم ما إن استمسكوا به ساروا على نهج صحيح يبلغهم هناء الآخرة وشيئا من طيبت الدنيا، وعلموا أن القرآن يجب يجسد كلية في نفوسهم ولا إكراه في الدين من صاحبه ـ فقط لأن الدار الآخرة هي الحيوان، أما هذه الدنيا فإنها الفانية الماكرة الخادعة المغرورة لأن وراءها ذلك إبليس الملعون الذي همه الوحيد في هذه الحياة أن يجر أكثر ما يمكن من الإنس والجن إلى الجحيم الدائم الذي لا يطيقه فرعون ولا من دونه ثم يسخر بهم قائلا {إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب اليم} عباد إن المشكلة ليست بجهلنا الحرام لكن المشكلة تكن في كيفية كسب القوة  التي تمنعنا ارتكابها إن النكسة في عدم التطبيق، انظروا إلى هيئاتنا وما تعاني منها من اختلافات في فروع بسيطة زرعت العداوة وعدم الثقة بين أفرادها، ثم تحولت شيعا وأحزابا توارثه الأجيال المظلومة ودافعت عن مبادئها زاعمة أنها على بينة من أمرها لكنها غارقة في متاهات صرفت عليها الأموال هدرا قد تكون أوقافا. أعود إلى الشباب المسكين الذي ضاع في التيه أشبه ما يكون بتيه بني إسرائيل ، ينظر وراءه فلا يجد إلا ما ذكرت، وينظر أمامه فلا يجد إلا دنيا أغرت الناس وأغفلتهم عن دينهم وهم على حلبتها لاهثون كأن الموت كتبت على غيرهم. قال تعالى{ اقترب للناس حسابهم وهم غفلة معرضون}الانبياء 01

انظروا إلى بناتنا وهن في مفترق الطرق أفكار متباينة من تزمت إلى مخالطة في الجامعات والمكاتب العمومية وغيرها. ذلك لأن المفاهيم في الثقافة سارت إلى غير منهجها الصحيح واكتفينا بالقشور عن لبانها، جنينا الزبد الذي يذهب جفاء، وإذا تحدثنا عن مجتمعنا الصغير، فنحن أشد أسفا وحسرة عن مجتمعنا الكبير.

يا سراة الأمة ورجالها استيقضوا من غفلتكم واستمسكوا بالقرآن وخذوا من روحه كما تأخذون من مادياته وآمنوا بغيبه كما تؤمنون بظاهره.

فليكن القرآن بإذن الله البلسم الشافي الذي يعالج التمزق الواقع في أمتنا. لست ألوم على ماض، ولست أبكي على فائت، ولكن أذكِّركم ونفسي والذكرى تنفع المؤمنين.

وإن كنا اليوم نقيم هذه الوقفة لدار القرآن، فقط لأنها أخذت اسم القرآن، ونحن نبجل ونحتفل من باب ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. فأمام ما ذكرته من شوائب وتناقضات نجد في الوجه الآخر شبابا يلتحقون إلى هذا المركز وأمثاله باحثين عن الحقيقة عارفين ربهم عازمين على إصلاح أنفسم ثم يكونون قدوة لغيرهم، سخروا أنفسهم لحفظ كتاب الله تعالى، ويتادارسونه بينهم ويقيمون الليل نصفه أو ينقصون منه قليلا أو يزيدون عليه. ووجدوا من سكون الليل في قيامه سكون النفس يخاطبون العظيم الذي منحهم هذه الفرصة التي حرم منها الملوك ويسجدون بكل جوارحهم ملتمسين من الله الهداية والجنة لأنهم عرفوا أنهم إن لم يفعلوا فسوف يقومون يوما يُدعوْن فيه إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم سالمون.

إن مركز دار القرآن الكريم يفتح أبوابه لجميع أولئك الذين يبحثون عن روح القرآن مع حفظه وإتقان تلاوته فقد سخره الله لهذه الأمة فليكن نبراسا يستضاء به في الليالي الحالكات.

وإنه لمن دواعي الغبطة والسرور، أن يمد الله في أعماركم فتشهدوا ثمرة تضحياتكم، فتطمئنون على ما أنفقتم من مال الله الذي آتاكم و أنها صادفت محلها، وتطمئنون على أبنائكم من بعدكم حيث تركتم لهم مأوى يأويهم، ووكرا يضم شتاتهم، ومعقلا لكسب الشخصية القرآنية، والقلوب المطمئنة، فلْتهنئوا بهذا التوفيق، ولتهنئوا بهذا النصر المؤزر في الآخرة والأولى، فالفضل كله راجع إلى الله تعالى الذي سخركم فلو توانيتم في تلبية الدعوة أو بخلتم في البذل أو شككتم في المقصد، لما كنا نرى رأي العين هذا الصرح الشامخ الذي لا يعلم إلا الله كم سيتعاقب عليه من أجيال، وكم تتصافح فيه من أيادي، وكم سيتولد عنه من مفاخر ومكارم، وكم ينجز فيها من مبرات ، فتلك وربك الباقيات الصالحات { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا}الكهف 46

وإن كان لمكة أن تفتخر بغاري حراء وثور، وإذا كان للإباضية أن يفتخروا بغار أبي عبيدة فليس من العجب أن تفتخر الأمة الميزابية  بدار القرآن الكريم.                       

وإنا لنرجو وراء هذا أن يوظف فيه الاستثمار البشري من تكوين الشباب بل حتى العنصر النسوي حتى يحقق أكبر ما يمكن من النتائج المرجوة، ويكون قدوة لكل من يفكر في إنشاء دار مثل هذه  وكنا نود أن نبني الأنفس التي تحتذى، والنور الذي يهتدى، والأمل الذي يرتجى..

أخيرا أوجه الشكر أولا لله ثم لكل من ساهم وبذل النفس والغالي من بدنه وماله والذي وإننا لننتظر من الذين لم يساهموا أن يتسارعوا ليلتحقوا بإخوانهم الذين بادروا خاصة وإننا قد اشترينا الأرض من الجهة القبلية للمشروع لتستغل كموقف خاص لوسائل النقل فطوبى لمن سخره الله ليكفكف دموع مشاريع الله تعالى فتقبل الله منكم هذا السعي وجعله كفارة لكل سعي كرهه منه. ولا أنس شكري للأساتذة الذين وقفوا مع في هذا المشروع بكل تفان وإخلاص جزاهم الله خير الجزاء، وكذا الطلبة الذين قضوا هذه الصائفة في رحاب القرآن الكريم فهنيئا لكم وقد فزتم بقسط وافر من كلام الله عوض الفراغ في الشواطىء والمتنزهات.

وإن كنت أتشاءم أحيانا أكثر مما أتفاءل لأنني أدركت أن الدنيا لامحالة زائلة وإننا نقضي فيها أعمارنا لاختبارنا خاصة وإنني فقدت في هذه الصائفة منذ 15 يوما والدتي الكريمة المؤمنة الورعة الطاهرة رحمة الله عليها التي رضعتني لبن الإيمان بأفعالها قبل أقوالها، وتركتني يتيما في بيتها ولا أزال أتذكرها كلما دخلت البيت أخال أنني سأجلس بين يديها بشغف لا نظير له تبادلني أطراف الحديث وتسدي إلي أحسن الأقوال والأدعية والبركة هنالك أحس أنني أسعدُ إنسان في الدنيا، ولكنني مؤمنا بقضاء الله وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فكانت كتفي الأيمن في كل مجالات الحياة خاصة وهي تحرضي على أن أبقى خادما للقرآن الكريم وسأبقى بإذن الله على العهد الذي تركتني عليه، فاللهم عفوك عنها فاللهم ارحمهما كما ربيني صغيرا. فبالمناسبة أقدم شكري لكل الذين واسوني وصبروني وعزوني وعائلتي على وفاتها بالزيارة أو بالهاتف أو بالرسالة وأخص بالذكر الطلبة في هذا المركز والأساتذة الذين  وقفوا بجانبي وكرموني بكلمات يثلج لها الصدر شاركوني في مصيبتي وخصصوا أمسية لذلك كلها كلمات ترحم عليها وتصبر لي فجازاهم الله خير الجزاء. 

فاللهم آجرنا في مصيبتنا وارحمنا في الدنيا والآخرة واجل دارنا دار القرآن الكريم أحسن دار في الدنيا والجنة أحسن دار في الآخرة يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الأستاذ حمو بوكرموش مدير دار القرآن الكريم

إتصل بنا | خارطة الموقع | سجل الزوار | ساهم معنا | التربية و التعليم | المشاريع | التقديم | التعريف | الرئيسية
Copyright © WWW.IRWANE.ORG - Tous droits réservés 2007.
Ce site est réalisé par SOFTART