موقع إروان   أضفنا إلى المفضلة اجعلنا صفحة البداية   الصفحة الرئيسة
خارطة الموقع ساهم معنا اتصل بنا سجل الزوار مواقع فرعية  
 
 
 
 
مساهمات فكرية   2012-03-04
سورة ص: سورة الأوب والمآب
 
 

إذا كان التفسير الموضوعي يهتم باستقراء الآيات في الموضوع الواحد لتركيب النظرة القرآنية إلى ذلك الموضوع، فإن التفسير الموضوعي للسورة يهتم بتحديد الفكرة التي تهدف السورة إلى  معالجتها، لتكون تلك الفكرة رابطا يجمع بين معاني الآيات؛ ومحورا تفهم على ضوئه السورة، بدل أن تفهم كل آية فهما مستقلا مجتزَأ عن سياقه. وهذا المقال محاولة لتطبيق هذه الطريقة من التفسير على سورة ص، بدءا بتحديد الفكرة الرئيسية ثم بتحديد هيكل السورة وفق تلك الفكرة.

أما الفكرة التي تعالجها السورة فيمكن اختصارها في كلمتين هما: الأوب والمآب، ومعناهما أن من كان ديدنه الرجوع إلى الله في أحوال السراء والضراء فإن مآبه رضوان الله وجنته، أما من تكبر عن الله والرجوع عنه فإنه مصيره النار، وبئس المصير.

وبناءا عليه يمكن تقسيم السورة إلى ثلاثة أجزاء هي:

1.  المقدمة: وتبدأ من بداية السورة إلى قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) [الآية 16] حيث نوه الله تعالى فيها بمكانة القرآن وموقف الكفار منه المتمثل في العزة والشقاق، ثم فند ذلك الموقف بأدلة عقلية (الآيتين 9 و10) وتاريخية (الآيات 11 إلى 16).

2.    الراجعون إلى الله وجزاؤهم: وينتهي هذا الجزء بقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) [54] تعرض السورة في هذا المقطع نماذج حية من قصص الأنبياء تبين رجوعهم إلى الله، وينتهي المقطع ببيان جزاء الأوابين وما ينتظرهم من النعيم المقيم يوم القيامة، وتلك النماذج هي:

أولا: داود عليه السلام: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) [17] كان داود عليه السلام ذا قوة وملك (الأيد) إلا أن ذلك لم يؤد به إلى الطغيان والتكبر؛ بل استشعر نعمة الله عليه، وعرف قدر نفسه، فكان كثير العود إلى الله تعالى (أواب)؛ ما أن يتنبه إلى خطئه حتى يسرع بالتوبة والاستغفار (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [24]

ثانيا: سليمان عليه السلام: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) .... ثُمَّ أَنَابَ) إذا كان الخطأ الذي
ارتكبه داود عليه السلام هو التسرع في إصدار الحكم القضائي وما قد يؤدي إليه من الظلم وقلة العدل، فإن الخطأ الذي ارتكبه سليمان هو انشغاله بنعم الله (الخيل) عن ذكره تعالى، ويبدو أن الله تعالى عاقبه بسلب شيء من ملكه بطريقة ما، فرجع سليمان إلى ربه منيبا مستغفرا، راجيا أن يرجع إليه ملكه وأزيد، متيقنا بعطاء الله الواسع (الوهاب)، فاستجاب الله دعوته، وغفر له ذنبه، وسخر له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وذلك جزاء الأوابين في الدنيا، وجزاؤهم في الآخرة أكثر (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ)[40].

ثالثا: أيوب عليه السلام: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، ... نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [43-44] لم تكتف السورة بالتمثيل للأوابين ممن ابتلاهم الله بالخير؛ بل مثلت أيضا لمن ابتلاهم الله بالضر، ومن ابتلي بالضر أكثر من أيوب عليه السلام؟ ويلاحظ هنا أن أيوب لم يَشكُ من الضر المادي الذي أصابه؛ بل مما تبع ذلك من نزغ شيطاني أصابه بتعب وعذاب، فكان أوابا إلى الله بحق، وقد استجاب الله دعاءه وكشف عنه الضر المادي والمعنوي، وعوض له ما فقده في الدنيا، وحفظ له أجره ليوم القيامة.

3.    المتكبرون عن الله وجزاؤهم: بعد أن ذكر الله نماذج من الأوابين وجزاءهم في الدنيا والآخرة، قابل بين النعيم الذي يجده الأوابون بالجحيم الذي ينتظر المتكبرين، ثم أعطى مثالا للمتكبرين الذين يرفضون الرجوع إلى الله تعالى، ومن أبلغ تمثيلا في هذا المقام من إبليس؟ ويلاحظ هنا أن إبليس لما عصى الله ورفض السجود لآدم لم يُطرد مباشرة من رحمة الله؛ بل جاءه الاستفسار من لدن العليم الحكيم: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ؟؟) [75] وكان هذا السؤال بمثابة فرصة للرجوع والتوبة؛ لكن إبليس طغى عليه كبره ففوت هذه الفرصة، فكان مصيره الإبعاد من جنب الله (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) [76-78]

هكذا كانت سورة الأوب والمآب نماذج عملية تحرض المسلم على أن يرجع إلى الله في السراء والضراء، عند الخطإ والصواب، ليجد الله معه في الدنيا والآخرة. وقبل أن أسدل الستار على هذا الموضوع أود الوقوف عند نقطتين:

الأولى: أن القارئ لهذه السورة الكريمة يجد بعض المقاطع من الآية تفصل بين الأفكار الرئيسية المذكورة آنفا (الآيات من 27 إلى 29 مثلا)، وهذه المقاطع قد لا يكون لها علاقة مباشرة بموضوع السورة؛ وإنما علاقتها وثيقة بالآيات التي قبلها؛ فيمكن اعتبارها استطرادات اقتضتها المناسبات المختلفة، ويمكن تشبيهها –ولله المثل الأعلى- بما يفعله الكتاب والخطباء عندما يفتحون قوسا لمناسبة أتى ذكرها في حديثهم ثم يغلقون القوس ويرجعون إلى موضوعهم. ومن هنا نلحظ التوازن القرآني في الترتيب المنطقي المنهجي للأفكار؛ دون الخروج به عن غايته الهدائية؛ فهو كتاب يجد فيه المنهجي راحته، ولا يعسر على عموم الناس الاستهداء به.

النقطة الثانية: إن مما يدل على أن الفكرة الرئيسية في هذه السورة هي الأوب والمآب أن الله تعالى أخذ من قصة داود وسليمان مثلا ما يخدم هذه الفكرة فقط؛ بينما نجده تعالى في سورة سبأ يذكر قصتهما ليخذد فكرة السورة وهي: النعم والشكر، حيث نجده تعالى يبدأ بتعداد النعم التي أنعم بها على النبيين الملكين ثم يأتي على شكرهما لهذه النعم، وبعد ذلك يذكر نموذجا مقابلا لنموذج الشكر؛ وهو أهل سبأ الذين كفروا ولم يشكروا. وهذا يوضح لنا أن ليس في القرآن تكرار، وأنه كتاب حكيم من لدن رب حكيم سبحانه.

ناصر بن اسماعيل بورورو

طالب باحث في الماجستير- الأردن

 

 

 

 

 

 

 

تقديم
التعريف بالمؤسسة
الشيخ عمي سعيد
التربية والتعليم
الأنشطة والأخبار
فضاء الطالب والأستاذ
معهد عمي سعيد
مدرسة عمي سعيد
قسم التخصص
قسم التراث والمكتبة
قسم الدورات والتربصات
قسم المناهج والتكوين
قسم الإعلام والعلاقات
نادي النشاط الثقافي والرياضي
زوارنا من
زوارنا من
المتواجدون حاليا