الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى من اقتفى رشده، وبعد:
فللعلماء مكانة عظيمة حفظها لهم الشرع الحنيف لعظم قدرهم في الأمة، وطاعتهم طاعة لله عز وجل وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، والتزام أمرهم واجب قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [سورة النساء:59].
ومن بين أولئك العلماء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الشخصِية الموسوعية، نادرة العصر في رسوخها وعطائها العلميِّ حيث خلّف آثارا وتآليف أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كما ونوعا في مختلف الفنون والتخصصات.
وقد شهد له بالرسوخ في العلم علماء كثيرون منهم: الشيخ محمَّد عبده، والشيخ زيني دحلان، والشيخ حسبي الله الشافعي، والشيخ إبراهيم حق الحنفي، والشيخ عليش المالكي، وَبَعض علماء الحجاز. ولقَّبه الشيخ نور الدين السالمي مجدِّدُ العلم بعُمان بـ: قطب الأئمَّة.
ولم يَقصُر الشيخ جهوده في مجال التأليف، بل اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعيِّ، ومحاربة الجهل والبدع، وَتولَّى رئاسة مجلس العَزَّابة ببني يسجن. كما تولَّى منصب القضاء، ثمَّ اعتزله لَما بسط الاستعمار الفرنسيُّ نفوذه على منطقة مزاب سنة 1882م. وكان القطب عدوًّا عنيدا لفرنسا، وَمِمن وقف بقوَّةٍ في وجه الاحتلال، ودعا إلى مقاطعة المستعمر وعدم التعامل معه، ويذكر أنَّهُ نصب خيمة في حومة الدبدابة بين غرداية وبني يسجن، احتجاجا على دخول فرنسا المنطقة.
كان حريصا على وحدة المسلمين، يعصره الألم على ما آل إليه أمرهم، من فُرقة وهوان، وذلٍّ واستعمار، يدعو للنصر للمجاهدين في كُلِّ بلاد العالم الإسلاميِّ. وقد دفعه هذا التصَوُّر إلى أن يعيش على أمل التخلُّص من المستعمرين، وأن يُفَكِّر في المشاركة بما يستطيع لتحقيق هذا الأمل، فجعل الجهاد جزءا من رسالته في الحياة، وكان مؤيدا للخلافة العثمانية على ما دخل نظامها من انحراف لأنَّهَا كانت تمثل وحدة المسلمين. وله مراسلات مع السلطان عبد الحميد الثاني، وغيره كسلطان زنجبار، وإمام عُمان.
وكان معتزًّا بإسلامه، غيورا على دينه، فقد أهديت له النياشين، وشهادات التقدير من مختلف سلاطين العالم الإسلاميِّ، وبخاصَّة لَما أجاب على لغز الماء.
وسنحاول (1) فيما يلي تقديم ترجمة للشيخ اطفيش وعن كتابه شرح النيل وشفاء العليل، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المطلب الأول: ترجمة الشيخ امحمد بن يوسف بن عيسى، اَطْفَيَّشْ (2)، الشهير بـ: قطب الأَئمة.
أولا: اسمه ونسبه ونشأته
v اسمه: امحَمَّد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محمَّد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي، اطفيَّش. هو أشهر عالم إباضيٍّ بالمغرب الإسلاميِّ في العصور الحديثة.
(ولد سنة: 1237هـ/ 1821م - توفي: السبت 25 ربيع الثاني 1332هـ/ 1914م).
v نسبه: من عائلة شهيرة بالعلماء من بني يسجن بغرداية، من عشيرة آل بامحمَّد، وينتهي نسبَه إلى عمر بن حفص الهنتاتي، وَفي بَعض كتبه ينهي الشيخ اطفيَّش نسبه إلى أبي حفص عمر بن الخطَّاب.
أَما أمه فهي: السَّيِّدة مامة سَتي بنت الحاج سعيد بن عدُّون بن يوسف بن قاسم بن عمر بن موسى بن يدَّر من عشيرة آل يدَّر ببني يسجن.
v نشأته العِلمِيَّة: ولد بغرداية لَما انتقل إليها والده، وعاش بها طفولته الأولى، وفي الرابعة من عمره توفِّي والده، وتركه يتيما تحت كفالة والدته. توسَّمت فيه بوادر النبوغ، فعهدت به إلى أحد المربين لحفظ القُرْآن، فختمه وحفظه وَهو ابن ثمانِ سنوات، ففتح له مجال العلم، وسارع إلى دور العلماء وحِلَق الدروس بالمسجد. فأخذ مبادئ النحو والفقه عن أخيه الأكبر: إبراهيم بن يوسف. وتلقَّى مبادئ المنطق عن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن. وكان يحضر حلقة الشيخ عمر بن سليمان نوح مع أخيه إبراهيم، وحلقة الشيخ الحاج سليمان بن عيسى في دار التلاميذ اليسجنيين. كما كان يحضر دروس الشيخ بابا بن يونس في مسجد غرداية.
بعد أخذه لِهذه المبادئ، شمَّر على ساعد الجدِّ والتحصيل، بعزيمة لا تعرف الملل، يؤازره ذكاء حادٌّ، وذاكرة وقَّادة، ورغبة في العلم لا تعرف الحدود.
لم يسافر للدراسة خارج موطنه، وجعل دأبه الحرصَ على اقتناء الكتب واستنساخها، يجتهد في طلبها واشترائها من كُلِّ البلدان، رغم قِلَّة ذات اليد، وصعوبة الاتصَال. فتجمَّعت لديه مكتبة غنية، تعتبر فريدة عصرها بالنظر إلى ظروف صاحبها، وبُعده عن مراكز العلوم والعمران. وَمِمَّا ساعده على التحصيل: اقتناؤه لبعض خزائن العلماء، منها خزانة الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وقد تَزَوَّجَ امرأة علِمَ أنَّهَا تملك مكتبة ثرية ورثتها عن أبيها.
وما كاد يبلغ السادسة عشرة، حَتى جلس للتدريس والتأليف، وَلَما بلغ العشرين أصبح عالِمَ وادي ميزاب، ثمَّ بلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كِتَابه: شامل الأصل والفرع.
v معهده: أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، تخرَّج فيه علماء ومصلحون ومجاهدون، انبثُّوا في أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ.
له منهج في التدريس يعتمد على استغلال الوقت، والتركيز في التلقين. تستمرُّ دروسه طيلة أَيام الأسبوع، من الضحى إلى الزوال، إِلاَّ يوم الجمعة، ثمَّ يزيد دروسا في المساء بعد العصر.
ولا يدرِّس في اللَّيل إِلاَّ الغرباء والنجباء والمتفوِّقين؛ لأنه كان يخصِّص اللَّيل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه؛ وكان غزير المادَّة، طويل النفَس، متفانيا في العلم، يدرِّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم الواحد.
بهذا المنهج في التعليم، والسعة في العلم، انهال عليه الطلبة من مختلف الأقطار الإسلاَمِيَّة، وصدروا عنه، وكلُّهم رجال عاملون في مختلف مواقع الحياة: تأليفا، وتعليما، وقيادة، وقضاء، وإصلاحا. وقد بلغ عدد تلاميذه العشرات.
ثانيا: آثار الشيخ اطفيش العلمية:
v تآليفه: ومن أهمِّ آثار الشيخ اطفيَّش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كما ونوعا، فقد عدَّها بَعضهم وقال: إِنهَا تبلغ الثلاثمائة مؤلَّف، ما بين كِتَاب ورسالة. وبلغ عدد كتبه مئة وأربعة وثلاثون في شتى العلوم.
واتسع له العمر، ليترك هذا التراث الجليل، فقد عمّر سِتَّة وتسعين عاما، وكان حريصا على الكِتَابة، لا يتركها في حضر ولا سفر، وصفه تلميذه أبو اليقظان بِأنَّهُ «لا يُعرف إِلاَّ في تدريس علم، أو تأليف كتب»، فألَّف في بني يسجن، والقرارة، ووارجلان، وبريان، والحجاز، وَفي السفينة قاصدا الحجَّ.
وشملت تآليفه مختلف فروع المعرفة، في المنقول والمعقول:
1) في تفسير القُرْآن الكريم: له ثلاثة تفاسير هي: تيسير التفسير - داعي العمل ليوم الأمل (مخ) - هميان الزاد إلى دار المعاد.
2) في التجويد: تلقين التالي لآيات المتعالي (مخ) - جامع حرف ورش.
3) في الحديث: ترتيب الترتيب وهو إعادة ترتيب مسند الربيع بن حبيب - جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل - وفاء الضمانة بأداء الأمانة.
4) في السيرة النبَوِية: مسائل السيرة (مخ) - شرح نونية المديح (مخ)، والنونية أرجوزة وضعها ابن ونان المغربي في مدح خير البرية محمَّد عَلَيهِ السَّلاَمُ.
5) في التوحيد وعلم الكلام: إزهاق الباطل بالعلم الهاطل - البرهان الجلي في الردِّ على الجربي عَلِي (مخ) - الجُنة في وصف الجنة - الحجَّة في بيان المحجَّة في التوحيد بلا تقليد - الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - الردُّ على الإنجليزيِّ الطاعن في الدين - الردُّ على الصُّفْرِية والأزارقة - الردُّ على العقبيِّ - القول المتين وَهو شرح مُقَدِّمة الشيخ تيبغورين بن عيسى الملشوطي - التقريرات على حاشية الديانات للسدويكشي، وتتمَّتها للمصعبي (مخ) - حاشية السؤالات لأبي عمرو عثمان السوفي (مخ) - حاشية على شرح النونية (مخ) - حاشية على كِتَاب الموجز لأبي عَمَّار (مخ) - شرح أصول تيبغورين (مخ)- شرح عقيدة التوحيد لعمرو بن جميع - شرح لامية ابن النظر العمانيِّ (مخ) - عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية (مخ) - فتح الباب للطلاَّب، شرح معالم الدين لعبد العزيز الثميني (مخ).
6) في أصول الفقه: فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والإنصاف (مخ)، وَهو موسوعة في أصول الفقه المقارن، لو طبعت لكانت في اثني عشر مُجَلَّدا.
7) في الفقه: وَهو أوسع مجالات تأليفه: شرح كِتَاب النيل وشفاء العليل - إطالة الأجور وإزالة الفجور - الذهب الخالص المنوَّه بالعلم القالص - ترتيب تحفة الأديب وتخصيب القلب الجديب (مخ) - ترتيب كتاب اللقط للشيخ عمرو بن رمضان التلاتي (مخ) - ترتيب كتاب المعلقات لمؤلف مجهول - ترتيب المدوَّنة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني (مخ) - ترتيب نوازل نفوسة (مخ) - تفقيه الغامر بترتيب لقط موسى بن عامر - جامع الوضع والحاشية، الوضع لأبي زكرياء الجناوني، وحاشيته لمحمد بن عمر أبي سِتَّة المحشِّي - حاشية أبي مسألة لأبي العَباس أحمد (مخ) - حاشية قناطر الخيرات لإسماعيل الجيطالي (مخ) - حاشية على جواب ابن خلفان (مخ) - حاشية على شرح الرائية (مخ) - حكم الدخان والسعوط - حيَّ على الفلاح: وهي حاشية على كِتَاب الإيضاح للشيخ عامر بن علي الشماخِي (مخ) - شامل الأصل والفرع- شرح الدعائم الموسَّع (مخ)- شرح الدعائم: شرح بَعض منظومات ابن النظر العماني المسمَّاة: الدعائم - القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية - كِتَاب التحفة والتوأم - كشف الكرب - مختصر في عمارة الأَرض (مخ).
8) في التاريخ: إزالة الاعتراض عن محقِّي آل إباض - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان - الرسالة الشافية في بَعض تواريخ وادي مزاب - السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة - الغَسول في أسماء الرسول.
9) في النحو واللغة والعروض: إيضاح الدليل إلى علم الخليل (مخ) - الحاشية الثانية على شرح أبي القاسم الداوي (مخ) - الكافي في التصريف - المسائل التحقيقية في بيان التحفة الأجرومية (مخ) - بيان البيان (مخ) - حاشية على شرح المرادي على الألفية (مخ) - شرح شرح أبي سليمان داود على الأجرومية (مخ) - شرح شرح الاستعارات لعصام الدين (مخ) - شرح شواهد القزويني (مخ) - شرح شواهد الوضع (مخ) - شرح لامية الأفعال - قصيدة الغريب: نظم متن مغني اللبيب لابن هشام (مخ)، وَهو في خمسة آلاف بيت نظمه وله من العمر سِتَّ عشرة سنة.
10) في البلاغة: تخليص العاني من ربقة جهل المعاني (مخ) - ربيع البديع في علم البديع (مخ).
11) في المنطق: شرح سلم الأخضري (مخ) - إيضاح المنطق في بلاد المشرق (مخ).
12) في الطبِّ والفلك والحساب: تحفة الحِبِّ في أصل الطبِّ - مطلع الملَك في فنِّ الفَلَك (مخ) - مسلك الفَلَك (مخ) - شرح القلصادي (مخ).
13) في الشعر: له قصائد عديدة في مواضيع تربوية، ومدائح، ومواعظ، منها: ديوان نظم - قصائد القطب (مخ) - القصيدة الحجازية (مخ) - قصيدة المعجزات (مخ) قصيدة بائية: ضمن مجموع قصائد (مخ) - قصيدة بدر (مخ) - مجموع قصائد وأجوبة (مخ).
14) في الخط: كِتَاب الرسم.
15) مواضيع مختلفة: تفسير ألغاز (مط) - خطبتا العيدين (مخ) - شرح المخمَّسة (مخ) - شرح لغز الماء: وَهو حلٌّ للُغزٍ نال به وساما عالميا، عجز عن حلِّه علماء العالم.
16) الأجوبة والردود والفتاوى: له من الأجوبة والفتاوى عدد هائل، جمع بَعضها الشيخ عمر بن يوسف اليسجني، وهي تجمع في إصدار جديد سمي جوابات القطب -يعده قسم التراث والمكتبة بمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية- ولا يزال أغلبها مخطوطا، ومتفرِّقا بين المكتبات، وتعدُّ مرجعا فقهيا هاما، خَاصَّةً في نوازل عصره، نذكر منها ما يلي: أجوبة لأهل عُمان (مخ) - جواب أهل زوارة - جواب إلى محمَّد بن عبد الله الخليلي (مخ) - جواب مشايخ مَكَّة.
17) المراسلات: راسل القطب -رحمه الله- علماء من مختلف مدن الجزائر، ومن خارجها؛ راسل شخصيات من البحرين، والحجاز، وعُمان، ومصر، وتونس، وجبل نفوسة، وجربة، والجزائر، وفاس، والقسطنطينية، وَبَعض العواصم الأوروبية. ولو جُمعت هذه الرسائل لألفت مُجَلَّدات فيها من أنواع العلوم، والأخبار التارِيخِية الهامة، ما يصلح لدراسات أكاديمية متخصِّصة، نذكر منها على سبيل المثال:
· رسالة إلى الوالي العام الفرنسي بالجزائر.
· مجموع الرسائل (مخ).
· مجموع رسائل بين القطب والإدارة الاستعمارية (مخ).
1: أصل هذه المشاركة بحث أنجزه الطالبان عيسى بن صالح موسى وابراهيم وزكرياء بن قاسم كعبوش في مادة الفقه المقارن بقسم العلوم الإسلامية بالمركز الجامعي غرداية خلال الموسم 11/2012.
2: اَطْفِيَّشْ بالميزابية: اَطَّفْ: خُذ، إِيَّ: تَعَال، أَشْ: كُلْ، وَرُبمَا هو «كناية عن الكرم والجود» في هذه العائلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع بترجمة لكتاب النيل للشيخ الثميني وتليه ترجمة لكتاب شرح النيل وشفاء العليل.