الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله؛ وبعد:
فقد قال الله في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
اقتضت حكمة الله تعالى أن يخلق البشر مختلفين في أفكارهم ومشاربهم ومذاهبهم، والغاية من ذلك نشر قيم التعايش والتسامح بينهم، وإيجاد السبل الكفيلة للتواصل الثقافي والعلمي والروحي بين مختلف البشر.
إنه ولا شك أن ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من تطور في شتى العلوم قد وضع لبناته أجيال وأجيال، فهذه الحضارة العالمية الغربية تُعيد البحث والتنقيب في العالم الإسلامي لاكتشاف حقائقَ جديدة علَّها تُعطي لها حلولا لأزمات الحضارة المعاصرة فقد قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ اَيْدِي النَّاسِ، لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
وإيمانا بهذه الالتفاتة قام ثُلّة من الباحثين المستشرقين المهتمِّين بالأقليات في العالم والمذاهب والفرق الإسلامية، وذلك بإقامة مُلتقيات عالمية حول الفكر الإباضي للتعرف عليه عن قرب والتّعمق في أصوله وأماكن وجوده في العالم وأنصاره وآرائهم الفكرية، كما قامت جامعة فرنسية بالانطلاق في مشروع لدراسة الفكر الإباضي، وهذا كله لتميُّز المذهب الإباضي عن المذاهب الأخرى، وهنا أطرح بعض الإشكاليات للولوج في صلب الموضوع:
من همُ الإباضيَّة؟
مذهب من المذاهب الإسلامية، تأسّس على يد "الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني"، ولد سنة 21هـ وتوفي سنة 93هـ، وعلى هذا الاعتبار فهو أول المذاهب الإسلامية نُشُوءا، ومن أعلامهم: "أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة" ثاني أئمة المذهب وعلى يد طُلاّبه انتشر المذهب في المغرب والمشرق؛ الجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار، والإمام "الربيع بن حبيب الفراهيدي" ولد 75هـ وتوفي سنة 175هـ، الذي دوّن الحديث في مسنده المعروف بالجامع الصحيح الحاوي على 1005 حديث، و"عبد الله بن إباض" الذي ينسب إليه المذهب وهو المستشار السياسي للإمام "جابر".
ماذا يميز المذهب الإباضي عن المذاهب الأخرى؟
إن ما يميز المذهب الإباضي عن المذاهب الأخرى منذ نشأته هو فكره العقدي المعتدل المبني على العقل والتنزيه المطلق للباري I، وكلُّ ما أوهم التشبيه من الآيات الكريمة أو الأحاديث الثابتة يجب تأويله بما يناسب المقام وينفي عن الباري التشبيه.
وحاليا بدأ علماء الإسلام بالعودة إلى الفكر الإباضي بسبب التجرُّد والموضوعية. وكما أن الفقه الإباضي فقهٌ مَرِن، فيه من الجوانب الحضارية في المجال الاقتصادي ما يعطي الحلول للمشاكل الاقتصادية العالمية خاصة، وقد أشار إلى ذلك مُفتِي الديار المصريّة الدكتور "علي جمعة" في قناة الأولى المصرية في حصة "مجالس الطيبين"، حيث خصَّ المذهب الإباضي بأن فقهه فيه الكثير مما سيُعتَمَد في المستقبل.
إن تاريخ المذهب الإباضي خالٍ من أي تجاوز من أحد الأئمة في الحكم، فهم لم يسفكوا دما ولم يأخذوا مالا ولم يحكموا جورا، وهذا يشرف أصحابه بانتمائهم إلى المذهب الإباضي، ونجد أغلب المجتمعات الإباضية تلتزم الدين، وتجْمَعُها روابط اجتماعية وثقافية قوية بحيث يُولُون للأسرة أهمية كبيرة لدورها الفعال في الإبقاء على وحدة المجتمع.
المذهب الإباضي في المحافل الدولية:
لقد كان اهتمام المستشرقين بالمذهب الإباضي ومجتمعاته في المشرق أو المغرب مبكِّرا؛ حيث ارتكز على الجوانب التاريخية والعلمية، وفي سبيل هذا قد أقيمت عدة ملتقيات في جامعات أوروبية وعربية لدراسة الفكر الإباضي من مختلف جوانبه نذكر منها:
§ ملتقى (كوبنهاجن) بالدنمارك:
تحت عنوان: "المدينة الدولة" خلال سنة 2006م، حيث شارك فيه فضيلة الأستاذ الدكتور "فرحات الجعبيري"، حيث قدم فيه ورقة بعنوان: (وادي مُزَاب المدينة)؛ حيث ركز على المؤتمر النسوي السنوي: "لا إله إلا الله" الذي تُناقَشُ فيه شؤون المرأة وبعدها تُقدَّم حصيلة الملتقى إلى (العَزَّابَة) لنشرها على الناس، وكان ملتقى ناجحا.
§ المؤتمر الدولي حول (سلطنة عُمان و الإباضية):
أقيم بجامعة "أرسطو طاليس" بمدينة "سالونيكي" بـ "اليونان" مؤتمر دولي حول (سلطنة عُمان والإباضيَّة) بالتعاون مع "وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية" في الفترة: 9-10 نوفمبر 2009م، ويهدف هذا المؤتمر إلى إعطاء الأكاديميّين اليونانيين صورة واضحة عن النهضة الحديثة لسلطنة "عُمان" والمذهب الإباضي، وقد حضره كبار أساتذة الاستشراق والدراسات الإسلامية والتاريخية، وكان منهم الدكتور "إبراهيم بحاز" والدكتور "عبد الرحمن السالمي".
فقُدّمت في المؤتمر 15 ورقة عمل تناولتها ثلاث محاور:
أولا: التاريخ والعقائد: فقد تطرق المحاضرون إلى التّاريخ الإباضي منذ التأسيس بمراحله والشخصيات المؤثرة في النشأة، كما ركَّزوا على القيم القبليَّة التي ساعدت على ترابط المذهب وتماسكه على ضوء بعض المؤلفات والمخطوطات الإباضية المبكِّرة، كما تحدثوا عن العقيدة الإباضية من خلال دور الأئمة الأوائل في رسم ملامح العقيدة الإباضيَّة والعلاقة مع الآخرين.
ثانيا: الفقه الإباضي: تحدث المحاضرون حول الفقه عند الإباضية وصور الاستنباط لديه، وعن دور ذلك في تطوره الفكري، وعن رسائل "جابر بن زيد" وأهميتها التاريخية والفقهية في الدراسات المبكرة، وعلى جهود الباحثين في تأليف المعاجم مثل: "معجم المصطلحات الإباضية" وغيرها.
ثالثا: واقع الإباضية اليوم والنهضة الحديثة لـ"سلطنة عمان": تطرق المحاضرون إلى قضية علاقة الإباضية بـ"الخوارج"، وجهود علماء "الإباضية" في الدفاع عن وجهة نظرهم بأنهم ليسوا من الخوارج، كما تحدثوا عن جهود العمانيين (الإباضية) في بناء هُوّية وطنية معاصرة في ظل النهضة الحديثة لعُمان، وعن ثوابت السياسة الخارجية لسلطنة (عمان) ودعمها لجهود السلام والأمن في العالم، والبعد الديني في تلك الثوابت.
وكما تطرق المحُاضرون إلى موضوع مناطق انتشار المذهب الإباضي خاصة شمال إفريقيا، والبحوث الأثرية في عمان. وفي الأخير قدم أحد الدكاترة ورقة حول (الإسلام وثقافة الدولة) في عُمان، حيث تحدث فيها عن معالم الحياة الدينية في السلطنة ودورها في تشكيل الثقافة العامة للمواطنين، واختتم المؤتمر بزيارات ميدانية لبعض المواقع الأثريَّة باليونان.
§ اليومان الدراسيان حول المذهب الإباضي في جامعة (ليون (2)) بفرنسا:
أقيمت بجامعة "ليون" أيام دراسية تمهيدًا لبرنامج (إباضية المغرب)، الذي يدرُسُ المجتمعات الإباضية في المغرب في العصر الوسيط: "الفضاء، والعلاقات، والنماذج". من تنظيم الدكتور "سيريل آيي" من "جامعة ليون 2، فرنسا" رئيس البرنامج، وحظي بدعم من الوكالة الوطنية الفرنسية للبحث، وقد أقيم أيام: 27- 28 جوان 2011م.
برنامج "إباضية المغرب" Maghribadite: هو مخبر في إطار النشأة، سيقوم بالبحث عن الدراسات التاريخية الإباضية وكذا الحفريات الأثرية بمنطقة (مزاب) و(سدراتة) بوارجلان في العصر الوسيط، وهي الحلقة الغامضة في تاريخ المنطقة، أي أن البرنامج في خطواته الأولى للدراسة التاريخية والأثرية، وهي مواصلة لأعمال الباحثة السويسرية الشهيرة "مرقريت فان بيرشم" صاحبة مكتشفات ومدّخرات "رمال سدراتة" في منتصف القرن العشرين المنصَرِم.
إن المخبر يضم ثلة من الباحثين؛ ومن الجزائر الدكتور "إبراهيم بحاز" أستاذ التعليم العالي بجامعة غرداية، والدكتور "علاوة عمارة" أستاذ التعليم العالي بجامعة "الأمير عبد القادر" بقسنطينة، بالإضافة إلى هؤلاء الأكاديميين الأستاذ: "محمد بن أيوب الحاج سعيد" خبير في التراث ورئيس جمعية "الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش" لخدمة التراث بغرداية... وغيرهم.
وأما عن اليومين الدراسيين فقد تمخَّضت عنه قرارات مهمة منها:
· العزم على الوقوف عند كلّ إشكالات المذهب الإباضي، وقوفاً علميا عميقا رصينا، يَبْنِي ولا يهدم، يقدّم الحلول ويزيل الشبهات.
· العزم على نبش "رمال سدراته" وإبراز حضارة الجزائر وإباضيَّتها في تلك المدينة الصحراوية التي تألَّقت خلال العصور الوسطى، وتصحيح وتدقيق تواريخ نشأة مدن وقرى "وادي مزاب"، والكشف عن معالمها تحت الأنقاض القديمة.
· تنوُّع المواضيع التي صبّت جلّها حول "المصادر والوثائق والمخطوطات"، والأوضاع والآفاق الخاصة بالإباضية في المغرب الإسلامي خلال العصور الوسطى.
· تشكّل فرقة باحثين في الفكر الإباضي، ستعمل تحت مظلَّة هذا المخبر بجامعة (ليون 2) بفرنسا.
· تشكل فريق جديد بل جيل جديد من المستشرقين الشَّباب ذوي الجنسيات "الفرنسية" و"البلجيكية" و"الإسبانية"، وهو جيل لن يشتغل بمفرده كما كانت أجيال المستشرقين من قبل، وإنما سيكون عملُه مع الباحثين المسلمين عموما والإباضيين خصوصا، وهذا مهمّ جدا.
§ ملتقى التواصل الحضاري العُماني المغاربي في العصر الحديث:
انعقد يومي الثلاثاء والأربعاء 13-14 ذو القعدة 1432هـ/ 11-12 أكتوبر 2011م، بوحدة الدراسات العمانية بجامعة "آل البيت" بعَمّان بالمملكة الأردنية، ومن أهم ما ميّز هذا الملتقى ما يلي:
· إعجاب كثير من الحاضرين بعلماء الإباضية (القطب، الشيخ نور الدين السالمي، الشيخ إبراهيم بيوض، والشيخ سليمان الباروني) وعن أسبقيتهم في بعض المجالات وعن عالميتهم وإخلاصهم.
· التميّز الفكري العلمي المنهجي، الذي تحلّت به شخصيات إباضية عدة، فالشيخ "السّالمي" في أصول الفقه (طلعة الشمس) تميّزَ بمنهجه المقارن التّعليمي، كما تميّز "القطب" في خطابه بمراعاة مستويات الخطاب، وبتقريره الواضح في قبول الآخر أيّا كان، حتى ولو كان مشركا، وإنصافه إن كان الحق معه...
· ضرورة التفكير في إنشاء وحدة للدراسات المغاربية، تكون وحدة مُتخصِّصة ومُوحِّدة للجهود المتناثرة، وهذا بعد الاتفاق على أهمِّيتها.
خاتمة:
وأخيرا وبعد استعراض الموضوع، نستنتج أن هذا الاهتمام بالمذهب الإباضي ومجتمعاته سيعود بالفائدة من خلال الكشف عن الحلقات الغامضة في تاريخ المذهب، وبفضلها سيتم نشر بحوث أكاديمية رصينة حول المذهب، والكشف عن الكنوز التي تزخر بها صحراء الجزائر ومناطق أخرى.
وهذا بعض ما قيل في حق الإباضية
سأل أحدهم: ما سر هذه الندوة، عن عُمان والإسلام؟ وفي اليونان؟ وفي جامعة أرسطو تحديداً؟ فقال أحد اليونانيين مجيباً: إذا كان "أرسطو" هو رمز الاعتدال والحكمة في أوروبا
فإنَّ "عُمان" هي رمز الحكمة والاعتدال في العالم الإسلامي
· وهذا هو مكمن العلاقة بينهما، فيكون المؤتمر قد جمع بين قطبي الحكمة في العالم؛ (أرسطو) في حكمته وتنظيره، و(عُمان) في تبنِّيها لقيم الحكمة والتسامح والاعتدال.
· لقد صرّح أحد الدكاترة، أن ملتقى التواصل المغاربي العماني في جامعة "آل البيت" كما تقدم كان سببا لبحثه في شخصية "الشيخ بيّوض" وتعرّفه عليه لأول مرة، وتعجّب كيف أن هذه الشخصية العظيمة، غير معروفة في (الجزائر)، رغم قوتها وتأثيرها وعضويتها في "جمعية العلماء"، بل لماذا يُركّز على "الشيخ عبد الحميد بن باديس" و"البشير الإبراهيمي"، ولا يكاد يُذكر "الشيخ بيّوض" ومَن معه؟ والأستاذ نفسه أثبت أن معهد الحياة (الشباب) أُسِّس قبل تأسيس جمعية العلماء.
هكذا فلننتبه ولنستفد من أمثال هذه الدراسات والمؤتمرات أيها الشباب، ولنستثمرها في الجانب الإيجابي للإسلام جميعا، حتى نكون خير خلف لخير سلف وما ذلك على الله بعزيز. والسلام عليكم.
من مجلة الأصالة والثقافة -ع39-
الموسم الدراسي: 2011/2012
إعداد: صالح بن محمد الحاج سعيد
الثالثة ثانوي - آداب وفلسفة