مقدمة:
لكل بداية نهاية، هذه هي السُنّة التي لا تتغير على مدى العصور والأماكن؛ فكل مخلوق مهما كان نوعه وجنسه فلابد من نهاية له؛ قال تعالى: ﴿كلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلاّ وجهَهُ﴾ [فاطر: 43].
فبعد دراسة العلماء للكون والأرض وضعوا فرضيات لبدايتها وكذا نهايتها، وسنتعرض في هذا الموضوع لذكر بعض الأحداث التي يفترض العلماء أنها ستكون سببا لفناء الحياة من وجه الأرض، ولكن قبل البداية يجب أن نعلم أنها مجرد فرضيات لا ترقى إلى حقائق، وأن الغيب بِيدِ الله لا يعلمه إلا هو؛ قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ الْغَيْب إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]، وانتشار هذه الفكرة في الأوساط الثقافية يفرض علينا الإدلاء برأينا فيها، فلا يمكن التغاضي والسكوت عنه وهو بهذه الدرجة من الخطورة والحساسية إذا ما عرضناه على التصورات القرآنية في شأن الكون ومصيره.
أولا: الفرق بين نهاية الكون ونهاية العالم
إن نهاية الكون يقصد بها فناء كل شيء من مجرات وكواكب ونجوم؛ أي أن من أسباب فناء الأرض نهاية الكون، ومن صور نهاية الكون عودته نقطة واحدة مثل نقطة البداية التي قال I عنها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا...﴾ [الأنبياء: 30]. وقال U عن النهاية: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ...﴾ [الأنبياء: 104]. أما عن نهاية العالم فيمكن أن تحتمل مفهومين:
1. نهاية العالم يقصد بها فناء الكائنات التي على وجه الأرض وقد قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 25-26]. وبقاء الكرة الأرضية على حالها تدور على الشمس وعلى نفسها، ومن الأحداث المفترضة مثلا: الجفاف الكامل، اقتراب "نبيرو"، "العاصفة الشمسية".
2. نهاية العالم يفهم منها أيضا نهاية الكرة الأرضيّة ومن عليها من كائنات أي من أسباب فناء الكائنات الحية نهاية العالم، ومن الأسباب المفترضة لذلك تحول الشمس إلى عملاق أحمر، أو اصطدام نيزك كبير الحجم بالأرض.
ثانيا: الفرضيات العلمية لفناء العالم
توجد أحداث كثيرة متوقَّعة لفناء الحياة من وجه الأرض؛ وهذه بعض منها:
1. تطور شمسنا من نجم إلى عملاق أحمر:
العملاق الأحمر مرحلة من مراحل حياة النجوم، حيث يتضاعف حجم النجم ويصبح أحمر اللون، ومن بعد تلك المرحلة يصبح العملاق الأحمر إما قزما أبيض، وإما ثقبا أسود وذلك حسب حجمه، وعمر شمسنا يساوي تقريبا 4.5 مليار سنة، وقريبا ما ستتحول إلى عملاق أحمر يلتهم الكواكب الثلاثة الأولى (الزهرة، عطارد، الأرض) مما يجعل الأرض تعيش داخل جحيم، و ذلك يؤدي إلى فناء الأرض وعدم بقاء أي أثر لها.
2. اصطدام نيزك بالأرض:
إن النيازك عبارة عن حجارة تتجول وتسبح في الفضاء، وهي عبارة عن بقايا اصطدام كوكب بآخر أو بقايا انفجار نجم (السوبر نوفا) أو...، ولكن المخيف فيها هو خطر اصطدامها بالأرض، فنيزك بطول 14 كيلومتر كاف لتدمير الحياة على كوكبنا.
ثالثا: تنبؤات بنهاية العالم في 2012م:
من الغريب والمدهش انتشار خبر نهاية العالم في 21 ديسمبر 2012م في وسائل الإعلام خاصة (الأنترنت)، وهذا تنبّؤ بالوقت الذي سيفنى فيه كل شيء على وجه الأرض، ومن الأحداث التي تنبأ العلماء أنها ستكون سببا لفناء البشرية:
· اقتراب كوكب (نيبيرو) من الأرض :
لقد كشف أحد التلسكوبات الفضائية عن ظهور كوكب آخر في مجموعتنا الشمسية يعادل حجم الشمس تقريبا، وأطلق عليه اسم (nibiru)، وقد قام العلماء بدراسة ذلك الكوكب الغامض فوجدوا أن هذا الكوكب يستغرق في دورانه 4100 سنة لإكمال دورة واحدة حول الشمس، أي أنه قد حدث له وأكمل دورته السابقة قبل 4100 سنة، ويعتقد بعض العلماء أنه سبب انقراض الديناصورات والحيوانات العملاقة، وأنها سبب انفصال القارات قبل 4100 سنة تقريبا، ووجدوا كذلك أنه ذو قوة مغناطيسية تعادل ما تحمله الشمس، وبالتالي وجدوا أن هنالك مخاطر كثيرة لو اقترب من مدار الأرض.
ولكن هذا ما حصل، فبعد دراسات وجدوا أن هذا الكوكب (nibiru) سوف يمرّ بالقرب من الكرة الأرضية في عام 2012م مسببا عدة آثار مثل الزلازل والبراكين والأعاصير، وأنه سيقضي على 70% من الحياة على وجه الأرض، كما أن الأبخرة المتصاعدة جراء الاصطدام ستغطي الشمس، فلا يرى الناجون نور الشمس لسنوات عدة، وانفجار البراكين والزلازل وانتشار الأمراض والمجاعات سيقضي على 20% منهم، فيما سينجو 10% فقط من سكان العالم.
وبهذا الحدث تنبأ علماء صينيون بأن بداية نهاية العالم ستكون في 21 ديسمبر من عام: 2012م، حيث يكون الكوكب المجهول (نيبيرو) في أقرب نقطة له من الأرض، وفي عام 2014م سيصل إلى نقطة ينتهي فيها تأثيره على الأرض مكمِّلا مسارَه الشمسي حتى يعود مرة أخرى بعد 4100سنة.
· عاصفة شمسية:
العاصفة الشمسية هي ظاهرة طبيعية تحدث كل 11 سنة، وحدثت قبل ذلك في عام 2001م وتسببت في قطع بعض الاتصالات والتسبب في خسائر كذلك، ولكن الحياة استمرت بشكل طبيعي بعدها.
لقد ذكرت وكالة "ناسا" في تقرير لها أن الأرض ستتعرض لعاصفة شمسية قوية في عام 2012م لكنها لن تكون سببا لدمار الأرض، ولكن ستكون هنالك خسائر معتبرة مثل انقطاع الكهرباء والاتصالات اللاسلكية، ولكن الخطر سيكون موجوداً بشكل ملفت على رواد الفضاء خارج غلاف كوكب الأرض الذي يحمينا، لكن بالنسبة لنا لا يوجد أي خطر كبير، وكل ما سيحدث هو انقطاع الاتصالات والكهرباء وتأثُّر بعض الأقمار الصناعية الغير محمية من هذه الإشعاعات وبعض الخسائر الأخرى.
وهناك عالم الرياضيات الياباني "هايدو ايناكاوا" الذي تنبأ سنة 1950م بأن كواكب المجموعة الشمسية سوف تنتظم في خط واحد، وأن هذه الظاهرة سوف تصاحب بتغيرات مناخية وخيمة تُنهي الحياة على سطح الأرض بحلول 2012م.
· حضارة (المايا) ونهاية العالم:
يعتبر تاريخ 21 ديسمبر 2012م التاريخ الأخير والصفحة النهائية في تقويم فلكي معقّد، وَضَعه شعب (المايا) الذي عاش قديماً في أمريكا الوسطى.
تعتبر حضارة (المايا) واحدة من أعظم الحضارات التي عاشت في المنطقة التي شملت وسط "المكسيك" جنوباً باتجاه "جواتيمالا"، "بيليز"، "السلفادور"، "هندوراس" و"نيكاراجوا" حتى "كوستاريكا"، ولقد كان مجتمع (المايا) مجتمعا منظما، كانوا أول من طوّر لغة مكتوبة في العالم، وصلوا إلى مستوى علمي متقدم، وأنشأوا مبانٍ ومعالم ثقافية كبيرة فاقت المستوى الذي كان سائدا في مناطق مختلفة من العالم في ذلك الوقت.
قام شعب (المايا) بوضع تقويمين (توجد معلومة أخرى تقول إنهم يملكون 3 تقاويم)، الأول للاستخدام المدني، والآخر للاستخدام الدِّيني، وقاموا بحساب مواقع الأجرام السماوية على امتداد مئات السنين لاعتقادهم بأن الأحداث الماضية يجب أن تتكرّر في المستقبل.
فبينما تعاملت كل الحضارات مع الزمن باعتباره تطورا خطِّيا مستمرا، ولكن تقويم (المايا) المعقّد اعتمد على فكرة أن الزمن عبارة عن دوائر، وهو ما يعني باختصار أن الزمن يعيد نفسه، لذا فمن أحداث الماضي التي وقعت بالفعل، يمكن التنبؤ بأحداث المستقبل، وأكثر ما يشدُّ الانتباه في تقويم (المايا) تنبّؤهم أن نهاية العالم ستكون عام 2012م، فقد كان شعب (المايا) يؤمنون بأن البشر يُخلَقون ويَفنَوْن في دورات تزيد قليلا عن خمسة آلاف عام، وبما أن آخر سلالة بشرية -من وجهة نظرهم- ظهرت في 3114 سنة قبل الميلاد فإن نهايتهم ستكون عام 2012م، وتحديدا في 21 ديسمبر من ذلك العام.
رابعا: التنبؤ بنهاية الكون في ميزان القرآن:
إن هذا الموضوع يطرح أمام المسلم المتبصر أسئلة عميقة وهو بين واقع الدقة العلمية والتصورات القرآنية الغيبية: هل التنبؤ بنهاية الكون هو تنبؤ بقيام الساعة؟ وهل طرح القرآن مفهوما كونيا لقيام الساعة؟ وما ميزان هذه التنبؤات في الأبحاث العلمية وفي موازين الشريعة؟
لقد تحدث القرآن الكريم عن قيام الساعة وفناء الحياة من الأرض، ولم يربطها بسنة كونية يضبطها العلم الإنساني حيث قال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...﴾ [الأعراف: 187]. ليقرر بعد ذلك قائلا: ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]، فقد أخفاها عن الإنسان وجعلها أكبر من مداركه العلمية وقصر العلم بها على نفسه قائلا: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ...﴾ [فصلت: 47].
ولا يمكن القول إن تنبؤَ العلماء هو تنبؤ بقيام الساعة، لأننا إذا تأملنا في مبادئ تنبؤاتهم ألفينا أن أصحابها لا ينطلقون من مفاهيم دينية الدنيا والآخرة، فهم لم يصرّحوا بأن قيام الساعة يكون بما افترضوه من أحداث، وإنما هي محض اجتهادات علمية مجرّدة، ولكن على المسلم أن لا يتعاطى معها وفق منظور علماني، وإنما يوفق بين الحوار العلمي والإيمان القرآني، وعلى هذا الأساس سنتعرض للمفهوم القرآني لقيام الساعة والذي لم يربط قيام الساعة بأي حدث كوني، وإنما الظاهرة الوحيدة هي النفخ في الصور الذي شمل الكون كله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ...﴾ [الزمر: 68]، وكل التغيرات الكونية في القرآن الكريم مقترنة بقيام الساعة الثانية (البعث)، فقد قرن الله تعالى قوله: ﴿إذا الشمس كورت﴾ بقوله: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾، وقرن قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ بقوله: ﴿إلى ربك يومئذ المستقر﴾ وقرن قوله ﴿إذا دكت الارض دكا دكا﴾ بقوله: ﴿وجيء يومئذ بجهنم..﴾... الخ.
فهذا هو المفهوم القرآني لقيام الساعة الأولى والثانية وعلاقتهما بالتقلبات الكونية، وعلى هذا الأساس يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية:
1. لا يمكن أن يتزعزع الإيمان بقيام الساعة المباغت؛ سواء في الاستئناس حينما يكون موعد التنبؤات العلمية بعيدا، أو الخوف من قرب موعد التنبؤات، لأن هذا مخالفة للتصور القرآني الصريح في كون الساعة هي من علم الله، وردّ للآية المحكمة الصريحة.
2. إن المتخصصين في حقل البحث العلمي الفلكي يحذرون من الاقتناع بهذه الأفكار الساذجة المبنية على المصالح التجارية الاقتصادية، أو اللعب بعقول المتدينين لفائدة رجال الدين، وإليك بعض النماذج:
§ في تاريخ: 28/10/1992م: أعلن القس "جانغ لي ليم"، من كنيسة "تامي" التبشيرية في كوريا الجنوبية، أنّ المسيح كان دعا 144000 من المؤمنين للتجمع في منتصف ليلة ذلك اليوم كي يُنقِذهم من أرمجدون (المعركة النهائية بين الخير والشر)، ولبّى النداء أكثر من 100000 شخص في مِئتي كنيسة أصولية، إلا أن الشرطة اعتقلت "جانغ لي ليم" وذلك لقيامه باستثمار 4 ملايين دولار جمعها من تبرُّعات أتباعه.
§ مثال آخر أقرب تاريخياً هو ما حدث عام: 1997م، عندما أقدم 39 شخصاً من أتباع طائفة (Heaven’s Gate) أو (بوابة الجنة) على الانتحار الجماعي أملاً في الوصول إلى "المستوى الروحي الأعلى" قبل نهاية العالم المنتظر نهاية 1997م.
§ في تاريخ:1844/10/22 م، 1844/3/21م،1843/7/7م، 1843/4/3م: أعلن الأمريكي "ويليام ميلر" نهاية العالم في كل من تلك التواريخ، فـ"ويليام ميلر" فقد ادعى معرفته بموعد نهاية العالم في 3/4/1843م دفع أتباعه والمؤمنين بنبوءته إلى التخلص من ممتلكاتهم وهجر أراضيهم الزراعية وإهمال أعمالهم، انتظاراً لعودة المسيح ونهاية العالم، ورغم مضيّ الموعد الأول، فإن كثيرين لم يدركوا أن (ميلر) كاذب وواصلوا تصديقه عندما اقترح عليهم موعداً ثانياً وثالثا ورابعا، إلا أن الشمس كانت تشرق صباح كل يوم توقع فيه (ميلر) النهاية ومعها كانت حياة أتباعه وأرزاقهم قد ذهبت من دون رجعة.
3. هذا التنبؤ بنهاية العالم سنة 2012م ليس بدعا، فلا يغيب عن العقول ما حدث من تنبؤات علمية سابقة بنهاية العالم من طرف جهات متخصصة لا يستهان بقدراتها في البحث والدراسة، وهذه بعض تواريخ وأسماء المتنبئين لنهاية العالم:
§ 1524/2/20م: وفقاً للألماني "يوهانز شتيوفلر"، كان من المفترض أن يدمِّر فيضانٌ ضخم العالم.
§ :1719/5/19 توقع الرياضي السويسري "ياكوب بيرنولي" أن يصطدم مذنب بالأرض.
§ :1732 نهاية العالم وفقاً لتوقُّعات "نوستراداموس".
§ في 13 ديسمبر 1999م كان ما يعرف بمشكلة الألفية، إذ كان هناك اعتقاد بأن أنظمة الكمبيوتر ستؤدي إلى وقوع أزمات كارثية، وأن تجارب في مجال الفيزياء في مختبرات بروكهافن بالولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تسبب في ولادة ثقب أسود سيبتلع العالم، ونفس الافتراض حدث سنة 2008م.
فالإيمان بهذه القضية ليس أمراً بسيطاً، فالوثوق بأي شيء اعتماداً على روايات وقصص منقولة أو على أشخاص يدّعون معرفة ما لا يمكن لهم أن يكونوا قادرين على معرفته بأي حال من الأحوال، خاصة فيما يصطدم بالعقل السليم ومبادئ المسلم.
المصادر: - مجلة آفاق العلم - موقع مسافر - موسوعة ويكيبيديا الحرة.
الطالب داود بن يوسف حواش – السنة الرابعة متوسطة
من مجلة الأصالة الثقافة – العدد 39- السنة الدراسية 2011/2012م