الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبيئنا محمدا عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
يقول الله تعالى: } ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت ايديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين { إن هذه الآيات من سورة الأنفال مع التأمل في السياق الذي جاءت فيه تقرر حقيقة مهمة في هذه الحياة وما يقع فيها من تغيير، وهي أن الله يؤتي نعمه ويرزق من فضله ويمكن للناس والمجتمعات في الأرض ويجعلُهم خلفاء فيها وهذا كله إنما يعطيه للناس ابتلاء منه وامتحانا، لينظر أيشكرون أ م يكفرون، ولكنهم كفروا ولم يشكروا وطغوا وبغوا بما أُعطوا، وغيَّرَتْهم النعمةُ والقوةُ فصاروا جبابرة فجرة، وجاءتهم آياتُ الله فكفروا بها، وعندئذ حقت عليهم سنةُ الله في أخذ الكافرين بعد أن تَبْلُغَهم آياتُه فيُكذِّبوا بها، وعندئذ غيَّر الله النعمةَ وأخذهم بالعذاب، لقد أهلكهم الله بعد التكذيب بآياته ولم يُهلكهم قبلها سبحانه مع أنهم كانوا كافرين لأن هذه سنتُه ورحمتُه.
أيها الإخوة المؤمنون: يقرر الله عدله في معاملة العباد فلا يسلُبُهم نعمةً وهبها إياهم إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدِّلوا سلوكَهم ويَقلِبوا أوضاعَهم، ويستحقوا أن يغيِّر ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يَقْدُروها ولم يشكروها، ومن الجانب الآخر يكرِّم هذا المخلوقَ الإنسانيَّ أكبر تكريم حين يجعلُ قدَرَ الله ينفذُ ويجري عن طريق حركةِ هذا الإنسانِ وعملِه ويجعلُ التغيير القدريَّ في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها، ومن الجانب الثالث يُلقي تَبِعَةً عظيمةً على هذا الكائن فهو يملك أن يستبقيَ نعمةَ الله عليه، ويملك أن يُزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يُزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه.
إخوة الإيمان: ويقول الله تعالى في سورة الرعد: } إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم { وهذه الآية الكريمة جاءت بعد قوله تعالى: } الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من اسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم { فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يُحدثونه من تغييرِ ما بأنفسهم وأحوالهم فيُرتِّب الله تصرفَه بهم، فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى، ولا يغير عزا أو ذلةً، ولا يغير مكانةً أو مهانةً إلا أن يُغيرَ الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم، فيُغير الله ما بهم وَفق ما صارت إليه نفوسُهم وأعمالُهم، وإن كان الله يعلم ما سيكون منهم قبل أن يكون، ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم، وإنها لحَقيقةٌ تُلقي على البشر تبِعةً ثقيلةً، فقد قضت مشيئةُ الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر، وأن تَنْفُذَ فيهم سنتُه بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم.
أيها الإخوة المؤمنون: يرتكز التغيير القرآني من منطلقات أساسية تعتبر قوانينَ وسنناً إلهيةً لا تتبدل ولا تتغير:
- أول هذه القوانين: إن صحة المجتمعات ومرضَها أساسُهما صحةُ الفكر أو مرضُه، و لشرح هذا القانون نقول: إن كلَّ مجتمعٍ يتكون من ثلاثة عناصرَ رئيسيةٍ هي: الأفكار، والأشخاص، والأشياء، وترتبط هذه المكوِّناتُ الثلاث طبقا لعلاقة معينة تتبدل طبقا للزمان والمكان، وحسبَ نوعِ هذه العلاقة تتكون شبكةُ العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات، ويتشكلُ محورُ الولاءات في المجتمع، ويتحدد منهجُ الفهم والتفكيرِ الذي ينتشر فيه ويترتب سلمُ القيم الذي يوجه أنماط السلوك فيه.
ويكون المجتمعُ في أعلى درجات الصحةِ حين يكونُ الولاءُ للأفكار هو المحورَ الذي يتمركز حوله سلوكُ الأفراد وعلاقاتُهم وسياساتُ المجتمع، بينما يدور الأشخاص والأشياء في فلك الأفكار، وفي هذه الحالة يتسلم مركزَ القيادة الأذكياءُ الذين يحسنون فقهَ التحديات واتخاذِ القرارات، ويتسم منهجُ التفكير والفهمِ بالرسوخ والإحاطة، وتدور اهتماماتُ الأفراد والجماعات حول القضايا العامة الكبرى وحول التحديات الداخلية والخارجية وما تتطلبه من تضحيات وتعبئة واستعدادات.
وحين يكون الولاءُ للأشخاص هو المحورَ وتدور الأفكارُ والأشياءُ في فلك الأشخاص فإن السمة الغالبة للمجتمع تصبح هيمنةَ محبي الجاه والنفوذ وأصحاب القوة، ويسخِّرون الأفكارَ والأشياء لمصالحهم الشخصيةِ أو لعشائرهم أو لطوائفهم أو لأحزابهم، وينحصر التفكيرُ والفهمُ في أطرِ العائلة أو العشيرةِ أو الحزب، ويتصف هذا التفكيرُ والفهمُ بالسطحية والجزئية والانغلاق عن أفكار الآخرين، وتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والعصبياتُ المذهبيةُ أو العائليةُ أو الإقليمية، وتسيطر هذه الأمورُ على التفكير حتى لا تتركَ متسعا للقضايا الكبرى ولا تدعَ مجالا للإحساس بالتحديات الداخلية والخارجية.
أما حين يصبحُ الولاءُ للأشياء هو المحورَ وتدورُ الأفكار والأشخاص في فلك الأشياء فإن الهيمنة في المجتمع تكون لأرباب المال والتجارات وصانعي الشهوات، وتسود ثقافةُ الترفِ والاستهلاك، وتتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتصبح الأفكارُ والقيمُ بعضَ سلعِ التجارةِ وموادِ الاستهلاك، ويتوقفُ التفكيرُ والفهمُ ويصابان بالشلل، وينشغلُ الناسُ بأشيائهم وحاجاتهم اليوميةِ، وهنا يلفَظُ المجتمعُ أنفاسَه ويموت، وتتقدم إحدى الجماعاتِ البشريةِ الأخرى لتعلن نبأَ الوفاة وتقومَ بمراسيم الدفن.
والتطبيقات لهذا القانون كثيرة ووافرة في تاريخ المجتمع الإسلامي وتطوره، ففي عصر النبوة كان الرسول r يعمق الولاء لأفكار الرسالة ويجعلُه محورَ العلاقات الخاصة والعامة، وكانت أشخاصُ المؤمنين بالفكرة الإسلامية وأشياؤهم تدور في فلك الولاء لهذه الفكرة تطبيقا لقوله تعالى: } إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم {.
واستمر عصرُ الخلفاء الراشدين يجسد هذا الولاءَ للفكرة الإسلامية وهم يرصدون كاملَ أشخاصهم وأشيائهم لنشر الدعوة الإسلامية في الخارج وجسدوها في الداخل، وهم يُذعنون بسرور ورضى لروح الشورى، ويعلقون على منتقديهم قائلين: } لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها{ ثم كان المنعطف بعد عهد الراشدين حين بدأ رجال القوةِ العصبية من طلقاء مكة يعملون لتطويع رجال الفكر والفقه لتبرير ولاءاتهم للأشخاص، ثم تلا هذا التطورَ الثاني تطورٌ ثالثٌ حين انتقل محور الولاء للأشياء واشتغل المجتمع الإسلامي بها وتنافس الناس في جمع الثروات وتكديس الممتلكات وصارت منازلهم وعلاقاتهم تتحدد طبقا لهذه الأشياء.
وكان لهذه التطورات الثلاثةِ نتائج: ففي قرون الولاء للفكرة تجمعت كلمةُ الأشخاص وترسخت وَحدتُهم وازدهر أمرُهم، أما في قرون الولاء للأشخاص فقد برزت العصبياتُ واشتغل الناس بالمنافسات والصراعات، وحين انتقل الولاء إلى الأشياء انحدر المجتمع الإسلامي إلى مزيد من المرض والضعف وتمزقت شبكة العلاقات الاجتماعية.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من امرنا رشدا أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
وثاني هذه القوانين: أن يبدأ التغيير في محتويات الأنفس ثم يَعقُبَه التغييرُ في الميادينِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والإداريةِ وسائر الميادين الأخرى، ومحتويات الأنفس ذات معنى واسع يشمل الأفكارَ والقيمَ والثقافةَ والاتجاهاتِ والعاداتِ والتقاليدَ، كما يشمل التصورَ عن المنشأِ والكونِ والحياة والمصير، ويشملُ نوعَ الإرادات النفسية إن كانت تقتصر على إرادات بقاء الجسد البشري ومتطلباته في النكاح والغذاء والكساء والمأوى أم تتعداها إلى إرادات رقي النوع البشري ومتطلباته في الأمن والاحترام والعدل والإحسان.
وثالث هذه القوانين: إن التغيير إلى الأفضل أو الأسوإ لا يحدث إلا إذا قام القومُ مجتمعين وليس الأفراد بتغيير ما بأنفسهم، وإن آثار هذا التغيير الجماعي تنعكس على ما بالقوم من أحوال بنفس القدْر الذي يحدث به تغيير ما بالأنفس، وإنَّ عدمَ تطبيق هذا القانون يوجه إلى العمل الفردي دون العمل الجماعي، ويفرز صورة خاطئة قاتلة لدور كل من القادة والأمة في تحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات، فهو فهمٌ ينمِّي في نفوس القادة روحَ الفردية والانفراد بالتخطيط والتنفيذ، فيقودُهم إلى الارتجال ويزجُّهم في صراع مع كل من يحاول المشاركةَ في الرأي أو العمل، في الوقت الذي لا يستطيع هؤلاء القادةُ الانفرادَ في الرأي أو العمل فينتهون إلى الفشل والإحباط.
أما الأمة فإن هذا الفهمَ يستبعدُ دورَها في المسؤولية ويطمسُ في عقولها مفهومَ المسؤولية الجماعية، ويشيعُ التواكلَ على القيادات وحدها، فمهما دُعيتْ الأمةُ إلى التضحية والمشاركة أجاب لسانُ حالها: } فاذهب انت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون { ومهما تتالت أمام أعينها صورُ العجز والفشل والهزيمة فإنها تظل متثاقلةً إلى الأرض تنتظر المعجزةَ وظهورَ القائدِ المخلّص وتظل ترسم له صوراً غيبيةً أسطورية، وتتسامر في هويته وشخصيته فلعله المهدي المنتظر... ولعله ... ولعله.
ورابع هذه القوانين: إن فتراتِ القوةِ والمنعةِ في التاريخ الإسلامي إنما وُلدت حين تزاوج عنصران هما: الإخلاص في الإرادة والصواب في التفكير والعمل، فإن غاب أحدُهما أو كلاهما، أو طلَّق أحدُهما الآخرَ فلا فائدة من الجهود التي تبذل والتضحياتِ التي تقدَّم.
نحن لا ننكر أن في الأمة مقاديرَ هائلةً من مخزون الإخلاص الذي يكشف عن نفسه من حين لآخر، ولكنَّ هناك جدبٌ وقحطٌ في معرفة الصواب الذي يقترن مع الإخلاص ليُنجبا ثمارَه النافعة، ولذلك فإن المواجهة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان المسلم هي التي تجري على مرحلتين: المرحلة الأولى: مواجهةٌ مع الذات يقومُ بها العلماءُ والقادةُ وعامةُ الأمة بغية تحريرها من التبعية الثقافية والاعتمادِ العقلي على الغير، وتمكينِها من اكتشاف الهوية وتحقيقِ الانتماء إلى ماضي الازدهار والمنعة، وتحليلِ الحاضرِ، واستشراف مسارات المستقبل ودروبِه، فإذا انتصرت الأمة في هذه المواجهة فستكون مؤهلةً لبدء المواجهة الثانية مع الغير المعتدي بثقة واستقلالية وجدارة ولسوف تنتهي بها المعركة إلى النصر المادي والفتح الاجتماعي.
هذا وإن الذين قادوا عملياتِ التغيير في أي زمن من الأزمان هم أناسٌ عاشوا قسوةَ الأحداث وتجرعوا مرارةَ التجارُب والأخطاءِ والانحرافِ في الفكر والممارسات العملية، وذاقوا حلاوة الإصابة وخلُصوا من ذلك كلِّه إلى تغيير ما بأنفسهم أولا ثم إلى بلورة تصورات معيَّنة واستراتيجيةٍ خاصة انتهت بهم إلى وجوب تكامل الميادين والتخصصات، وإلى تظافر جميع الهيئات والجماعات، وبعد ذلك كلِّه مضَوا في تنفيذ هذه الاستراتيجية طبقا لخُطُوات مرحليةٍ متناسقة مقدرة حتى انتهوا إلى الخطوة الأخيرة، وكان مقدارُ النجاح الذي حققوه في تغييرهم متناسبا مع درجة الصواب والإخلاص في استراتيجيتهم.
إلهنا لقد قلت في محكم كتابك الكريم: } ادعوني أستجب لكم { فها نحن ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا، وهانحن نتوجه إليك متبرئين من حولنا وطولنا، متضرعين بأن تحيي قلوبَ أمتنا رجالا ونساء، وشيبا وورلدانا، وقادةً ورعية، وأن تجعل لنا نورا نمشي به بين الأمم التي تمكر بنا وتتربص بنا وبديننا الدوائر، وتزين لنا سوء عملنا وتسخر من حالنا في كل هيئة ومؤتمر، وتتندر بمصائبنا في كل اجتماع، اللهم إننا لن نقنطَ من رحمتك لأنه لا يقنط من رحمتك إلا القوم الكافرون، ولأن من سنتك في العمل الصالح أن اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
هذا وصلوا أيها المسلمون صلاةً تامةً كاملةً على الحبيب المصطفى فإن الله ملائكته يصلون عليه، فاللهم صل وسلم وبارك عليه ما تعاقب الليل والنهار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خطبة جمعة من الأرشيف
للأستاذ الفاضل: بورورو إبراهيم بن عمر