الخطة الأولى
الحمد لله الذي رضي للإسلام لعباده دينا، ونصب الأدلة على ألوهيته وبينها تبيينا، وكفى بربك هاديا ومعينا؛ لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وكبره تكبيرا. لا شريك له في ملكه، ولا ندَّ له في حكمه، ذلت الجبابرةُ لعزته، وانكسرت النفوس لهيبته،وخشعت القلوب لعظمته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وبارَكَ عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار، وما تعاقب الليلُ والنهار؛ فاللهم اجعلنا من أمته، واحشُرنا يوم القيامة في زمرته.
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
(يَـآ أَيـُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبـَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا)
أما بعدُ؛ فياأيها المسلمون.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، وأن تقدموا لأنفسكم أعمالاً تبيض بها وجوهُكم يومَ تلقوْن ربكم.
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا. وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوَ اَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداَم بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفُم بِالْعِبَادِ)
(يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ(88) إِلاَّ مَنَ اَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
أيها المؤمنون.
إن المتأمل في أحوال بعض المصلين ليجد جملةً من الأخطاء ترتكب غفلةً وجهلاً، منها ما يكون في الأعمال التي يقوم بها مريد الصلاة قبل الدخول فيها كالتوضؤ، ومنها ما يكون من وظائفها وأعمالها الأساسية.
وهذا الموضوع مترامي الأطراف، كثير التفاصيل، لا تكفيه خطبةٌ ولا خطبتان؛ وسنتعرض لطرح بعض أهم هذه الأخطاء مع بيان الطريقة الصحيحة لأدائه قدر المستطاع؛ عملاً بقول الله جل وعلا:
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اَلاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
ولا يخفى أنه من الواجب على كل مؤمن ــ رجلاً كان أو امرأةً ــ أن يتعرف على الأخطاء المرتَكَبة في صلاته، ويدرك أنها تُفسدُ عليه صلاته ليتجنبها؛ وإذا تجنبها فقد ابتغى رضوان الله عز وجل، ورجا رحمته وواسع فضله.
أيها المؤمنون:
إن للصلاة لشأناً عظيماً ومقاماً رفيعاً عند الله سبحانه وتعالى؛ ألم يكن وصفُ المؤمنين في القرآن الكريم يبدأ بإقام الصلاة، والمحافظة عليها والاعتناء بها؟ وفي مقابل ذلك يتصدر أوصافَ المشركين والمنافقين تضييعُ الصلوات؟ قال الله جل وعلا:
(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)
وتضافرت رواياتٌ تعزز هذا الجانبَ وتقويه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الربيع من حديث عائشة مرفوعاً:
(لكل شيء عمودٌ، وعمودُ الدينِ الصلاةُ، وعمودُ الصلاةِ الخشوعُ)
ويقول صلى الله عليه وسلم:(لا إيمانَ لمن لا صلاةَ له)
لاحظوا جيداً: لا إيمان لمن لا صلاة له، أي يُسلب الإيمان مَن يصلي حسب الظاهر، وصلاته في حقيقتها باطلةٌ؛ بسبب ما ارتكب فيها من أخطاء.
وروى الطبراني من حديث عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاةَ يوماً، فقال:
(من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يومَ القيامة، ومن لم يُحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً؛ وكان يوم القيامة مع فرعون، وقارون، وهامان، وأُبيِّ بنِ خلَف)
فاتقوا الله أيها المسلمون، وحافظوا على صلواتكم، وأتموها، ولا تضيعوها؛ واستغفروا ربكم وتوبوا إليه، وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعيته ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له،ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين، وسلم تسليماً كثيرا.
إن من الأخطاء الواجبِ تجنبُها الغفلةَ عن غسل العراقيب من الأرجل في الوضوء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويلٌ للعراقيبِ من النار، وويلٌ لبطون الأقدام من النار) رواه الربيع.
وفي روايةٍ: (ويلٌ للأعقاب من النار ) رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالأعقاب والعراقيب مؤخَّر الأرجل، والمرادُ ببطون الأقدام وسطُها من أسفل.
وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا أن تُعرك بالماءِ،ويُبالَغ في غسلها.
ومعناه شرحه البغوي بقوله: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها.
وإنما خص الموضعين بالوعيد، لأن الماءَ لا يصلهما غالباً، إلاَّ عند التفقد؛ وذلك عند قلة الماءِ، ومع العجلة.
قد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث تعليمَ الجاهل، ورفعَ الصوتِ بالإنكار.
أطلبوا النجاة من نار جهنم بالتيقن من غسل أعضاء الوضوء كلها، خاصةً غسل باطن القدمين ومؤخَّرِهما؛ ولو كان مسحُهما كافياً لمَا توعَّد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المتوضئين من أمته التاركين لغسل عراقيبهم.
ومن الأخطاء التي يجب التنبيهُ عليها استقبالُ المصلي غيرَ جهة القبلة.
اعلموا وفقنا الله سبحانه وتعالى لكل خير أن استقبال القبلة في الصلاة فريضة من الفرائض، وشرطٌ من شروط صحة الصلاة، نص على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، القولية والفعلية على السواء.
قال الله تعالى:
(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّـيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) سورة البقرة.
وأخرج السبعة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة ، فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ...) تمام الحديث.
ويجب على من كان مُعايناً للكعبة أمامَه ــ كمن يصلي في المسجد الحرام ــ يجب عليه أن يستقبل عينَها؛ أما من كان غيرَ معاينٍ لها،ويتعذَّر عليه إصابةُ عينِها ــ كما هو حالُ السواد الأعظم من المسلمين ــ فلا يجب عليهم إلا استقبالُ جهتها.
ولا يُعذر في استقبال القبلة إلا ثلاثةٌ: أحدهم الخائف الذي يخاف على نفسِه أو أهلِه أو مالِه، يُطارده عدوٌّ أو سبع؛ وثانيهم المريض يمنعه المرضُ من الحركةِ والانتقال، ومن في معناه كالمربوط والساقط في حفرة ...؛ وثالثهم المصلي صلاةَ النافلة على الراحلة أو السيارة في حال السفر.
ويجب التحري والاجتهاد في معرفةِ جهة القبلة؛ وذلك باعتماد الدلائل والقرائنِ الثابتةِ، والآلاتِ التي اتضح للخاص والعام، للمسلم وغيرِهِ، صحةُ أحكامها؛ ويجب الوجوبَ الكفائيَّ تحصيلُ هذا العلم؛ لأنه من الوسائل التي تُعين على المحافظة على الصلاة.
وقد نبَّهَ أهلُ العلم على أن تقليد أهلِ الإسلام في قبلتهم إنما يصحُّ إن وافق الحقَّ والصوابَ، دون ما إذا أخطأوه؛ فإن الخطأَ لا يُقتدى به، ولا يصحُّ قبولُه.
وكان عبد الله بنُ المبارك ــ العالمُ التابعيُّ المشهور ــ يقول بعد رجوعه من الحج: " تَياسَرُوا يا أهلَ مَرْو".
أيها المسلمون:
يشير الكلام السابق ــ كلامُ أهل العلم ــ إلى أن الواجب على كل واحدٍ منا ــ معشر المسلمين والمسلمات ــ ممن أدركتهم الصلاةُ في مكان أن يسألَ الناسَ عن قبلة الصلاةِ، فإن لم يجد من يسأله نظر إلى الشمس أو القمر أو النجوم، لأنها أماراتٌ على القبلة، إن كان حاملاً لهذا العلم؛ أو اتجَهَ إلى الجهة التي وجد المسلمين هناك يستقبلونها في صلاتهم، ويصلي إلى قبلتهم؛ ولا يُشرع له أن يسألَهم هل اتجاهكم هذا صحيحٌ موافقٌ للقبلة.
وإن أوصله اجتهادُه بعد النظر في الأمارات وقيام الحجة إلى انحرافِ استقبالِهم، وجب عليه تنبيهُهم وتوقيفُهم على خطئهم؛ ولا يحل له بحالٍ أن يُتابعَهم ويقلِّدهم فيما أخطأوا فيه.
والمصلي الذي يصلي إلى غير القبلة بعد علمه صلاتُه باطلةٌ.
وتجدر الإشارة إلى أن نشرية وزارة الشؤون الدينية الجزائرية المرجعية في تقويم أوقات الصلوات واتجاه القبلة التي هي عمدة المؤذنين والأئمة تبين أن عين الشمس ستكون بحول الله تعالى غداً
السبت الموافق لـ( 18 مايو) في اتجاه القبلة على الساعة الـ(09) و 55 د.
السبت 25 مايو على الـ(سا 10 و 12 د)
السبت 01 جوان على الـ(سا 10 و 28 د)
أدركوا صلاتكم أيها المسلمون؛ لا تتركوها نهباً للشيطان؛ راقبوا قبلتكم في منازلكم ومصلياتكم؛ فإن مراقبتها من المحافظة على الصلاة.
أيها المسلمون:
(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتـُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الاَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً اِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)سورة النحل.
نستغفرك اللهم من كل خطيئةٍ وذنبٍ، ونسألك الأمن في البلد، والصحةَ في الجسد، والصلاح في الولد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه،وسلَّم تسليما.
(سُبْحَانَ رَبـِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة الصافات.
خطبة جمعة للشيخ عمر بن قاسم موسى وعلي