يوم الخميس 04 شعبان 1434هـ/13 جوان 2013م
الذكــ40ــرى لتأسيس المعهد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي منَّ على عباده بأن غمرهم بالنعم وأمرهم بشكرها، وبعث فيهم رسلا معلمين مربين ؛{ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }[آل عمران: 164].
والصلاة والسلام على مؤسس أول مدرسة قرآنية بدار الأرقم، والذي نفرت إليه طوائف الصحابة لتتفقه وتتعلم، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
آبائي المشايخَ الموقرين، سادتي المسؤولين المحترمين، إخواني الأساتذةَ المربين، أبنائي الطلبةَ المجدين، ضيوفنا الوافدين الطيبين... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم في رحاب معهد عمي سعيد في عيده الأربعين، في هذه الليلة المباركة الموافقة للرابع من شهر شعبان 1434هـ، الثالثَ عشرَ من شهر جوان 2013م، بعد سنة من الجد والمثابرة في سبيل العلم والدين، نلتقي لنحتفل معا باختتام هذه السنة الدراسية 2012/2013م. لنكرِّم المجدين، ونشكر المحسنين، ونَعْرِض النتائج للناظرين والمستمعين.
وبهذه المناسبة العلمية السعيدة يشرفني أن أفتتح هذا الحفل البهيج بهذه الكلمة المتواضعة أُلقيها على حضراتكم من هذا المنبر الشريف، وقد اخترت أن أعنونها بـ:
غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون
أولا- بين يدي الذكرى:
تعتبر هذه السنة الدراسية 2012/2013 الموسم الأربعين (40) في عمر معهد عمي سعيد، والموسم الخامس والعشرين (25) في عمر قسم التخصص في العلوم الإسلامية، وبعد عقود من النشاط التربوي والتكوين العلمي والعطاء الفكري، بات من الضروري أن تُتخذ هذه المناسبة فرصة لوقفة جادة، بتظاهرة تربوية علمية هادفة، إحياء للذكرى، وتقويما للماضي واستشرافا للمستقبل، من أجل تثمين المسيرة التربوية العلمية الرائدة لمؤسستنا المباركة.
وتأتي هذه التظاهرة لتبرز مقومات المنظومة التربوية الحرة، ودورها الحضاري، وتقدمها كمنظومة تربوية ريادية أثبتت نجاحها في تخريج أجيال متوازنة صالحة فاعلة، وتضعَ لبنات في سبيل تطوير هذه المنظومة أمام التحديات التي تواجهها، حتى تستمر في أداء رسالتها، وينتشر أثرها الإيجابي محليا ووطنيا وعالميا.
ثانيا: نداء إلى قدماء طلبة معهد عمي سعيد:
· يا من احتضنك هذا المعهد حينا من الدهر تنهل من معارفه وتغرف من علومه وترتوي من معينه الطيب.
· هذا معهدك قد{...بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً...}،
· لقد حباك الله تعالى وأنعم عليك بأن كنت ممن انتسب إلى هذا الصرح العلمي تبني فيه شخصيتك وتصقل فيه موهبتك وتثري فيه رصيدك المعرفي، ويؤخذ فيه بيدك في طريق النجاح والفلاح.
· فهذه مناسبة لتتذكر هذه النعمة وتدعوَ وتقولَ:{... رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ...}،
· وتتعاون مع إخوتك وزملائك من الطلبة القدماء لتقفوا وِقفة تقويم وقطفٍ لثمار من غرس فأكلتم، ثم تبلوروا خططا لتغرسوا فيأكل أبناؤكم وأبناء أمتكم،
· معهدك يمد لك يده ويفتح لك أبواب الخير، ويدعوك للبذل والعطاء والمساهمة الفعالة بما رزقك الله من قوة فكرية وعلمية ومادية ليشق طريقه في المستقبل رافعا بقوة لكل تحد، مستمرا في أداء رسالته النبيلة، وتطوير مسيرته الرائدة ...
· وهذا البذل والعطاء عمل صالح يقتضيه تمام شكر النعم: {...وَأَنَ اَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ...}.
· وهدفه رعايةُ النشء وابتغاءُ صلاح الذرية والتمكين لأمة الإسلام: {...وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[الأحقاف:15].
ثالثا: نداء إلى المربين والمهتمين بشأن التربية:
· يا من حباك الله واصطفاك لأفضل المهن وأشرفها؛ قال رسول الله r: " إنما بعثت معلما".
· وأنعم عليك بقدرات فكرية ومهارات تواصلية وسعة صدر، ورحمة وصبرٍ، لأداء هذه المهمة بنجاح واقتدار: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ...}[آل عمران:159]،
· لا ريب أنك قد خبرت مهنتك، وعلمت أسرارها وخفاياها، واكتشفت نقاط قوتها وضعفها من خلال تعاقب أجيال من الناشئة على يديك تعلمهم وتهديهم وترشدهم {...وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }[فاطر:14].
· ومع مطالعاتك واطلاعك على الدراسات التربوية ومستجداتها، ومعاناتك وحسراتك على واقع المنظومة التربوية والمستوى الفكري والعلمي والقيمي لمخرجاتها [وما الأخبار المتواترة عن ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية منا ببعيد].
· إن أربعينية معهد عمي سعيد تُهديك فرصة الإدلاء بدلوك، والمساهمة الفعالة في تقديم التصويبات والتقويمات التي توصَّلْتَ إليها واقتنعت بها، لترقية المنظومة التربوية وتلافي نقائصها، إرضاء لضميرك وقياما بمسؤوليتك تجاه الله والمجتمع والأجيال؛ فـ{مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }[المائدة:99]، فسدد أخي وقارب، وشمّر عن ساعدك وارفع قلمك، وشارك في الورشات التقويمية والأيام الدراسية التربوية التي تنظم خلال تظاهرة الذكرى الأربعين لتأسيس معهد عمي سعيد.
رابعا- نداء إلى الآباء والأمهات وأولياء أمور الطلبة:
· يا من أكرمه الله بنعمة الذرية من بنينَ وبنات، واسترعاه مسؤولية حسن التربية والتنشئة، ووعده بالأجر الجميل والثواب الجزيل إن أحسن واتقى الله فيما استرعاه،
· لقد أرشدنا الله العليم الحكيم في كتابه الذي يهدي للتي هي أقوم، إلى أرقى النماذج التربوية وأكثرها نجاعة ونجاحا وتأثيرا: إنه نموذج تربية لقمان الحكيم لابنه: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيِّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }[لقمان:13].إلى آخر الآيات...
· اعلم أيها الولي الوفي أن هذا المنهج التربوي هو الذي ارتضاه سَراة هذه الأمة وعلماؤها لتربية ناشئتهم بتوفيق من الله، فأسّسوا لذلك هذه المدارسَ القرآنيةَ والمعاهدَ الحرةَ على تقوى من الله، وسخروا لها ما عز وغلا من الإمكانات والوسائل والطاقات، فاجتهدْ لحسن التعامل مع هذه المؤسسات بأن تتعاون معها لتحقيق أهدافها التربوية، وتنسجمَ معها بالالتزام بمنهج تربوي بيتي يعزز تربية المدرسة الحرة ويكملها.
خامسا- نداء لشباب الأمة وناشئتها:
· يا من تفتحت عيونكم على آيات القرآن، وصُقِلت ألسنتكم بالنطق بلغة القرآن، وتهذبت سجاياكم بأخلاق القرآن، وتنورت بصائركم بهدي القرآن، واستنار فكركم بقصص الأولين مما فُصِّل في القرآن، جمعتم كل هذا الخير، وأكرمتم بكل هذا الفضل وأنتم تغدون وتروحون إلى هذه المدارس القرآنية والمعاهد الحرة تغرفون من ينابيعها ماء عذبا زلالا وعسلا مصفى، فتتخرجون بإذن الله أقوياء في معارفكم، صلحاء في تعاملاتكم، متوازنين في حياتكم، ناجحين في مهماتكم.
· اعلموا أن هذه نعمة يفتقدها الكثير من النشء في مثل أعماركم، فاشكروها ولا تكفروها، واعقدوا العزم على حسن استثمارها والارتواء من معينها، حتى تقر بكم أعين مربيكم ومعلميكم وأوليائكم، ويطمئنوا على مستقبلكم ومستقبل أمتكم.
· وتيقنوا أن هذه التنشئة القويمة لا تُرضي الشيطان اللعين وأعوانه من الجن والإنس، فكأني بهم قد أصبحتم محط اهتمامهم ومركز خططهم: يضيقون صدوركم، ويثبطون عزائمكم، ويشتتون هممكم، فاستعيذوا بالله منهم ومن شر وساوسهم: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً...}[فاطر:6].
سادسا- نداء للتجارة مع الله وإعداد العدة للتغيير:
· إننا نهدف بهذا النداء من هذا المنبر الشريف، ومِن بعده بهذه التظاهرة الأربعينية التي نحن بصدد تنظيمها، أن نرسلها صرخة استغاثة وصيحة إنذار وتحميل للمسؤولية لكافة الأطراف والشرائح كل حسب قدراته وإمكاناته، فمنظومتنا التربوية هي مركز التغيير وأساس الإصلاح ومنطلق المسير بأمتنا ووطننا في طريق الرقي والتحضر، وعلى كل منا أن يشارك في هذا التغيير بكل قوة يستطيعها: من جهد فكري، وتفريغ أوقات، ومساهمات مالية سخية... {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[التغابن:16].
· مالي أرى شبابا وكهولا ذوي مقدرات علمية ومهارات تواصلية يحسدون عليها، يُدعون إلى المساهمة في التربية والتعليم فيستنكفون؟ بل يضحكون ويستهزئون؟ مالي أسمع عن ورثة ترك لهم أولياؤهم أموالا وضياعا ومتاجر وعقارات، فلا يقنعون بما رزقوا وتمتد أيديهم إلى وصايا وأوقاف يلتوون عليها ويتملصون ويعتذرون، بل يكابرون ويخاصمون؟ مؤثرين أن يتأثلوا بها عن أن يخرجوها لتنتفع بها مشاريع التربية والتعليم حسب ما أوصى بها أولياؤهم؟ ما لي أرى وأسمع عن ذوي بصيرة وفكر يتندرون بمآسي المنظومة التربوية ويتفكهون بآلامها وآمالها، ولا يتجاوزن ذلك إلى الفعل الصائب والبلاغ المبين؟ كأنهم عن المجتمع غرباء وعن تطلعاته وآماله معزولون ؟
· لكني أرى أيضا ولله الحمد والمنة بشائر نور تشرق من شباب وطلبة أنار الله أبصارهم وبصائرهم، وبارك في علمهم وعملهم، عرفوا بحق ما ينعمون فيه من خير، وشاهدوا ثلة من الرجال الصادقين الذين رعوا هذه المشاريع التعليمية الخيرية يقضون نحبهم ويُفضون إلى ربهم، فانكبوا يدرسون سيرتهم ويذكرون فضلهم، ويتسلحون بالتعلم والتدرب والتمكن والتضحية والصبر، استعدادا لتحمل المسؤولية من بعدهم، موقنين أن دورهم قادم لا محالة، وأن الأمانة لابد أن تنقل من الأجداد المؤسسين إلى الأحفاد المحافظين المجددين. {...إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ...}[الكهف:13]، ولولا الخوف من الإطالة لأفضت في ذكر نماذج من إنجازات هؤلاء الفتية تُثلج الصدور وتبهج النفوس، لكني أدعوكم لتعاينوا شيئا من ذلك بأنفسكم في صفحات المجلة المدرسية "الأصالة والثقافة" في عددها الأربعين، الصادر بهذه المناسبة الطيبة: حفل اختتام هذه السنة الدراسية. فلهم مني تحية تقدير واحترام، ولكل من ساهم في تكوينهم وتربيتهم أسمى عبارات الشكر والعرفان.
سابعا- خاتمة ودعاء:
{... رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَداً }[الكهف:10]،
{...رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ اَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً }[الفرقان:74]،
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ` وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ` وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الصافات:180-182]،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عن الأسرة التربوية بالمعهد: مصطفى بن قاسم كَارَه