الخطبة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
فإن الله تعالى شاء -وهو أحكم الحاكمين- أن يمر الإنسان على مراحل يقطعها بدون اختيار، مرحلة الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة الأبدية حيث الرجوع إلى الله تعالى للجزاء، قال تعالى: }كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمُ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{، موتتان وحياتان: }قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل اِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ{، موتة قبل الخلق وموتة بعد الخلق الأول، وحياة محدودة للعمل وهي الدنيا وحياة أبدية للجزاء وهي الآخرة.
إخوة الإيمان: اعلموا رحمكم الله أننا الآن في المرحلة الثانية بعد الموت الأول، مرحلة الحياة الدنيا، فما تصوركم لها ياترى؟ أهي فرصة لإشباع الغرائز والتمتع بالملذات واكتناز الأموال والأملاك دون مبالاة لما ينتظر الأموات من عقوبات أو جنات؟ أم هي محرمة زينتها على المسلمين والمسلمات ومكروه عليهم التنعم بالطيبات ومندوب لهم أن يكتفوا بالضروريات؟ أم لا تلك ولا هذه؟ فلنبحث عن الحق والصحيح في كتاب ربنا الحكيم إذ نجده عن تصوير الحياة الدنيا صريح، حيث يقول العزيز الرحيم: }اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الاَمْوَالِ وَالاَوْلَادِ{.
فحال الدنيا لا يتعدى هذه الصفات الخمس:
1- اللعب: ويعني العبث والهزل، فالإنسان الذي أُتيحت له جميع فرص التوبة والرجوع إلى الله ليتنعم بحياة سعيدة مستقرة أبدية، وينقذ نفسه من حياة أليمة شديدة الشقاء أبد الآبدين، فلا يأبه بتلك الفرصة الغالية ولا يتفكر في عاقبته الآتية بل يصرف كل اهتمامه إلى متاع سريع الانقضاء، مشوب بالمنغصات والآلام حتى يباغته الموت دون استعداد ولا زاد، وماله من وال إلا الويلات والحسرات، فهذا الإنسان قد عبث بنفسه ولم يَجدَّ للتفكير في مصيره وصدق فيه قول خالقه: }فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ{.
2- اللهو: ويعني اشتغال الإنسان عما يعنييه ويهُمُّه، وذلك أن يهب عقله وقلبه لدنياه فقط فيلهو ويشتغل عن ذكر ربه وعن آياته، وعن ذكر آخرته وموته: }مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ اِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ{، فالإنسان الذي يتكلم أو يسمع حديث الدنيا صباحا ومساء، ليلا ونهارا، سواء في الصفقات التجارية وما يتبعها من أحوال الأسواق والأسعار والمستجدات فيها، أو غير ذلك من أمور الدنيا، ثم لا تكون له ساعة يتدبر فيها آيات ربه المسموعة والمرئية، ويتأمل في طريقه الذي يسلكه ومآله الذي ينتظره، بل يكتفي بصلواته المفروضة المشوبة بمشاغل قلبه الدنيوية، مع أن الله تعالى يوجب عليه الذكر الكثير لربه: }فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{، هذا الإنسان لا محالة لاَه وغافل عن ذكر الله، ألا تصدق فيه هذه الآية الكريمة: }يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ {ألا يخشى الوعيد القرآني للغافلين واللاهين: }ذَرْهُمْ يَاكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الاَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ{، ويقول أيضا: }وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ{.
3- الزينة: وتعني حسن الشيء وجماله في عين الإنسان، فمن حكمة الله تعالى وإرادته أن زيّن ما على الأرض وحسّنه في عين الإنسان ليمتحن: }إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمُ أَيُّهُمُ أَحْسَنُ عَمَلًا{، بهذا صار ابن آدم راغبا في عمارة الأرض واكتساب الأموال والأولاد ولو كلفه عناء كبيرا ومحنا كثيرة.
وقد عدَّدَ الله تعالى أنواع الزينة في قوله: }زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالاَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ{، سمى الله تعالى هذه الزينة متاعا، ويعني المنفعة المحدودة ويقابله النعيم يوم القيامة: }إِنَّ الاَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ{، وقد وصف الله تعالى هذا المتاع بوصفين دقيقين:
- الوصف الأول: أنه متاع قليل: }قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى {هو قليل كيْفًا وكَمًّا، فنوعية متاع الدنيا قليلة بالنسبة لنوعية متاع الآخرة، فشتان بين قصور الدنيا وجناتها وطعامها وشرابها ونسائها وبين قصور الآخرة وجناتها وطعامها وشرابها وحورها..، متاع الدنيا مشوب بالأتعاب والآلام والأحزان والمخاوف، وأما نعيم الآخرة فكامل من كل جانب: }لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ{، }لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الاُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ{، }لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَاثِيمًا{، }لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{، }لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا {.
وكمية متاع الدنيا قليل بالنسبة لكمية نعيم الآخرة، فلن تبلغ في الدنيا كل ما تشتهيه، وإن وصلت إلى شيء منه فلن يدوم، أما نعيم الآخرة فيقول عنه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، ويقول أيضا: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ، أَفَمَنْ وَّعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
- الوصف الثاني: الذي وُصف به المتاع أنه متاع الغرور: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي منفعتها محدودة لكنها تغر وتخدع الإنسان، وكثيرا ما يكون الإنسان متواضعا خاشعا لله تعالى قبل أن تبسط عليه الدنيا، ثم إذا أنعم الله عليه غرته تلك النعمة ويطغى، قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الاِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، وضرب الله تعالى مثلا لزينة الحياة الدنيا وخداعها بالزرع الذي أنزل عليه المطر فزها وأعجب الزراع نباته، لكن ما لبث إلا قليلا حتى صار يبسا مصفرا، ثم كان حطاما ترميه الرياح: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، فإياك إياك أن يغرك المتاع القليل ويفوتك النعيم المقيم.
4- التفاخر: ويعني تباهي بعضكم على بعض، وذلك في الأنساب والأعمال والأموال والأولاد، كمثل الرجل الذي أعطاه الله جنتين من أعناب وحفهما بنخل، وجعل بينهما زرعا وصارتا تؤتيان أُكلهما، ولم تنقص ثمرهما شيئا، فلما رأى الرجل هذا المتاع تعجب بنفسه واغتر: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا..﴾، هذه هي حال الدنيا عند كثير من الناس، حيث يسعون جاهدين في كسب أموال وأولاد وسلطان وأعمال ليتباهوا بذلك ويتفاخروا عند غيرهم، لكن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
5- التكاثر: ويعني التنافس في كثرة الأموال والأولاد وغيرها من أعراض الدنيا، من طبع الإنسان منافسة غيره ومسابقته في ميدان اختصاصه، فالطالب ينافس أصدقاءه في العلم، والتاجر ينافس البائعين في العرض والأسعار، والرياضي يسابق غيره في رياضته، وهكذا في جميع الاختصاصات .. ، نعم التنافس شيء جميل، ينمي القدرات ويصقل المواهب ويوصل المُجدَّ إلى المراتب العليا ما لم يخرج عن نطاق الشرع ولم يله عن ذكر الله، وإلا يتحقق فيه هذا التهديد: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ومن جانب آخر يوجه الله تعالى روح المنافسة للتسابق إلى المغفرة والجنة، قال تعالى: ﴿سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويقول: ﴿إِنَّ الاَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الاَرَائِكِ يَنظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفرالله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.
الخطبة الثانية:
الحمد لله القائل: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، واعلموا -رحمكم الله- أنه تعالى لم يحرم زينة الحياة الدنيا على المؤمنين، إذ يقول مستنكرا على من حرمها: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فالله تعالى استأهلها للمؤمنين في الحياة الدنيا، وأخلصها لهم في الآخرة، ونهاهم عن تحريم ما أحله لهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ﴾ ووعدهم بالمتاع الحسن في الدنيا إن أنابوا إلى الله بقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، فللمؤمن المتاع الحسن في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة، وأما الكافر فله المتاع فقط في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمُ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
فالله تعالى لم يحرم زينة الحياة الدنيا، وإنما حذرنا من شباكها التي يقع فيها كثير من الناس، وهي كما يلي:
1- الاغترار بالحياة الدنيا: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وقد انخدع بزينة الدنيا كثير من الناس لما بسطها الله عليهم، فقارون الذي كسب من المال ما إن مفاتيح قصوره ومخازنه ليثقل حملها على جماعة من الرجال أولي القوة، غرته تلك الأموال فاستنكف وقال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، ولم يلبث إلا قليلا حتى خُسف به وبداره الأرض، فخسر دنياه وآخرته، وأمثلة ذلك كثيرة.
الإلهاء عن ذكر الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمُ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يََّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فاحذر أخي أن تلهك أموالك ومشاريعك عن إقامة الصلاة والخشوع فيها، أو تلهيك عن مدارسة القرآن وتأمله، وعن التفكير في موتك ومصيرك، بل اقتد بمن قال الله عنهم: ﴿فِي بُيُوتٍ اَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
2- الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنانُ بها: قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنَ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. فإذا تهيأت لك أخي أسباب الرفاهية والزينة فاحذر قساوة قلبك وعدم اختلاجه بخشية الله فتكون ممن اطمأن للدنيا وسكن فيها سكون من لا يخاف انتقالا منها.
3- الفرح بالدنيا بطرا واختيالا: قال الله تعالى في شأن قارون لما نصحه قومه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَح اِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وقال أيضا: ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ والفرح هنا فرح مسرة وهو الذي يجعل الإنسان يتكبر على غيره ويطغى بالنعمة التي رُزقها.
4- إرادة الحياة الدنيا وطلبها دون الآخرة: قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ويعني أن يريد بأعماله وجهده الحياة الدنيا فقط فإنه لا محالة يخسر الآخرة ويوفى عمله في الدنيا، وكذا إن طلبها دون الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ، وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
5- إيثار الدنيا على الآخرة: قال تعالى: ﴿قُل اِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
إذا اجتمع أمر الدنيا وأمر الآخرة فقدم الآخرة على الدنيا تفرح وتنجُ.
6- الإعجاب بالكافرين لما لهم من زينة الحياة الدنيا قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، أي لا تنظر إليهم نظر إعجاب وتقدير، فذلك يؤدي إلى موالاتهم وتقليدهم واتباع سبيلهم.
هكذا إخوة الإيمان نفهم من القرآن الكريم أن الله تعالى جعل زينة الحياة الدنيا من حق المؤمن ولكن عليه أن يقوى على نفسه، فلا ينخدع بالحياة الدنيا، ولا يستسلم لهواه، بل عليه أن يتقيد بالتحذيرات القرآنية ليتمتع متاعا حسنا في الدنيا، ويتنعم بنعيم طيب أبدي في الآخرة...
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، "سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ،وََالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الأستاذ: بشير بن إبراهيم بازين