الخطبة الأولى
الحمد لله مالك الملك، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، إنّه على كل شيء قدير، والصلاة والسلام على البشير النذير، نبيءِ الرحمة والملحمة، المبعوثِ رحمة للعالمين، ونذيراً للبشر أجمعين، والمقيمِ لخير أمة أخرجت للنّاس في الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
ففي الوقت الذي بدأ المسلمون فيه طريقَ العودة إلى دينهم، والتمسكِ بعقيدتهم، والعملِ للعيش في ظل كتاب ربهم، وسنة نبيهم، في هذا الوقت اشتدت الحملة ضد الإسلام والمسلمين من داخل العالم الإسلامي، ومن خارجه: رسومٌ مسيئة للرسول صلى الله عليه و سلم في الدنمارك، قنواتٌ فضائيةٌ ناطقةٌ باللغة العربية تسُبُّ الإسلامَ والرسولَ صلى الله عليه وسلم، ربطُ الإسلام بالإرهاب، البابا بندكت يهاجم الإسلام، مسابقةٌ لإهانة الإسلام، أفلامٌ تصور المسلمين كحيوانات مفترسة متعطشةٍ للقتل، تغييرٌ في مناهج التعليم، أمرٌ بحذفِ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والتاريخِ الإسلامي، وقرارٌ باستبدالهما بالديمقراطية وحقوقِ الإنسان على الطراز الأمريكي، استبعادٌ للآيات التي تتحدث عن الجهاد وبني إسرائيل ومواقفِهم المناوئةِ للرسول صلى الله عليه وسلم، تقليصٌ لحصص التربية الإسلامية واللغة العربية، إيقافٌ للإصدارات الإسلامية في الصحف والمجلات، إغلاقُ ما كان للبر والإحسان من جمعيات، مراقبةُ أرصدةِ المتدينين وتحويلاتِهم المالية، إيقافٌ للبرامج الدينية في الفضائيات، رفعٌ للرقابة عن الفاحش من الممارسات، حتى طال الإعدامُ الشوارعَ والمؤسساتِ التي استبدلوا أسماءَها الإسلاميةَ والوطنيةَ بأسماء الممثلين والممثلات والمغنيين والمغنيات.
أيها الإخوة المؤمنون: إن الأسباب الحقيقية لهذا الهجوم على الإسلام موجودة في وثائق الفترة التي أعقبت الحربَ العربيةَ الإسرائليةَ عام 1967 مباشرة والتي كانت من نتائجها احتلالُ الجزءِ الباقي من فلسطين، وسيناءَ المصريةِ، وهضبةِ الجولان السوريةِ، ففي هذه الفترة أدركت إسرائيلُ أنها دلفت إلى مرحلة من المواجهة تفوق عددَها وعدتَها، وأن عليها أن تُعِدَّ العدةَ لتحقيق أهداف جديدة تتمثل في تدمير المسجد الأقصى وقبةِ الصخرة وإقامةِ الهيكل المزعوم، وابتلاعِ القدس، وتقويضِ الدول والحكوماتِ العربيةِ واستبدالها بوحدات طائفية أو مذهبية.
من هذه التصورات والمنطلقات بدأ التخطيطُ الإسرائيليُّ – الأمريكيُّ للحرب المقبلة على الإسلام والمسلمين والتي سوف تشمل ميادينَ العقيدة والتراثِ والقيمِ والاقتصادِ والسياسةِ والعسكريةِ وغيرِ ذلك من ميادين الحياةِ المختلفة.
ومن أجل هذا الإعدادِ والاستعدادِ بدأت تُعقدُ مئاتُ المؤتمراتِ وتُحشد لها آلافُ الخبراتِ والتخصصات، ومع أن هذا التخطيطَ والإعدادَ الإسرائيليَّ كان وما يزال ظاهرا غيرَ خفي، ولكنْ له مراكزُه ومطبوعاتُه ومداولاتُه ومنشوراتُه ومؤتمراتُه، إلا أننا كمسلمين لم تَعُدْ لنا القدرةُ للاطلاع على محتوياتِ تلك الدراساتِ والمؤتمراتِ لأن إرادتَنا مُثقلةٌ بآصار الشهوات، وعقولَنا مقيدةٌ بأغلال الجهالات وأنماطِ التفكير الارتجالي، وغلبةِ الظن والهوى، وتفضيلِ الأنانيات على مصلحة الأمة، واستبدالِ الحقائق الإلهية وآياتها بسراب الشرعة الدولية وأوهامها، وإذا مرَّتْ تخطيطاتُ الأعداء أمام عيوننا لم نُبصرْها وإذا رويت لنا لم نسمعْها، وإذا لامست أفئدتَنا لم نُحِسَّ بها ولم نفهمْها.
أيها الإخوة المؤمنون: كان من أسباب غزوة الأحزاب التي تجمعت فيها قبائلُ العرب الجاهليين بقيادة قريش لاستئصال الإسلام والمسلمين خروجُ وفد من يهود المدينة المنورة آنذاك برئاسة حيي بن أخطب إلى مكةَ وغيرِها من ديار الجزيرة العربية ليحرِّض قريشاً والقبائلَ الأخرى على قتال المسلمين واستئصالهم من الأرض، وعندما سألت قريشٌ حُيَيّاً هذا وأصحابَه الذين رافقوه: يا معشرَ يهود إنكم أهلُ كتاب وأهلُ علمٍ بما أصبحنا نختلف عليه مع محمد، أفدينُنَا خيرٌ أم دينُه ؟ فأجابهم حييٌّ وصحبُه: بل دينُكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحق منه))، واستمر الوفدُ اليهوديُّ يطوف على القبائل العربية بنفس المنطق والأسلوب لحشد هذه القبائل لغزو المدينة المنورة حتى حددوا لهذا الغزوِ موعدَه ووضعوا له خطتَه، نفسُ الأمر قامَ ولا يزال يقوم به البروفيسور برنارد لويس الذي ينفُثُ في العقل الأمريكي والأوربي الصيحاتِ التحذيريةَ في كتبه التي تُطبع أو مقالاتِه التي تنشر في المجلات والصحف، وفي مواقع الأنترنت، وخطورةُ أعمال هذا الشخص أن أبحاثَه يتناولُها بالشرح والاقتباس والتطبيق مئاتُ الباحثين والسياسيين والدراسين بحيث يمكن القولُ إنه يتحكم بالموضوعات التي تُناقَش والقراراتِ التي تُصنع.
وبحوثه في مجملها صيحاتٌ تحذيريةٌ هدفُها تذكيرُ المجتمعاتِ الأمريكيةِ والأوربية أنه ما من يوم في التاريخ وقعت المواجهةُ مع سكان غرب آسيا وشمال إفريقيا إلا كان الإسلامُ هو القوةَ التي تُنْزِلُ بهم النكباتِ والهزائمَ، وخلال ذلك يتبين أنه ابتداءًا من الماضي حتى الوقتِ الحاضرِ كان الإسلام هو القوةَ التي جاءت بسكان شمال إفريقيا إلى أسبانيا مدةَ ثمانيةِ قرون، وأنه هو الذي قاد العثمانيين إلى أبواب فيينا وإلى وسط أوربا، وأنه هو القوةُ الوحيدةُ التي أخرجت الرومانَ من شرق البحر المتوسط والشامِ ومصر، وأنه هو القوةُ التي رفعتْها حركاتُ التحرر من الاستعمار الأوربي الحديث، وأن جميع محاولاتِ علمنةِ المجتمعاتِ الشرقيةِ وتخليصِها من روح الإسلام القتالية قد باءت بالفشل، فالإسلام قد عاد ليُطلَّ برأسه شامخا وعادتْ بيارقُه لتَظهرَ من جديد في المجتمعات الإسلامية وبين الجاليات الإسلامية التي تعيش في أمريكا وأوربا، وأنه ما لم ينْتَبِهْ أهلُ السبت يعني اليهودَ وأهلُ الأحد يعني المسيحيين فسوف يشهدون في المستقبل القريب أياما عصيبةً على أيدي القوى الإسلامية الصاعدة.
وكمَّل الدورَ الذي لعبه برنارد لويس أو حييُّ بن أخطب الجديدُ رائدٌ آخرُ من رواد التضليل والدعاية ضد الإسلام والمسلمين وهو كعب بن الأشرف الجديد بنيامين نتنياهو.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 300 مركزٍ للدراسات المختصة بتقصي التطورات في العالم الإسلامي في ميادين الحياة كلها، وفي كل مركز حوالي خمسين باحثا برتبة بروفيسور و مئتين بدرجة الماجستير، وهذه المراكز تَدرُسُ كلَّ مجالاتِ الحياة المختلفةِ: العقديةِ والسياسيةِ والاجتماعِ والاقتصادِ والتربيةِ والأعرافِ والتقاليدِ، وكيفيةَ استثمارِ ذلك كله لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة.
إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.
الخطبة الثانية
الحمد لله القائل (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )) والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فإن المواجهة القائمة الآن بين الإسلام وبين الصهيونية بوجهيها الإسرائيلي والأمريكي لن تتوقف وسوف يستمرُّ الهجومُ على الإسلام والمسلمين حتى يُجهزوا على الإسلام إن استطاعوا ويَهدِموا مقوماتِ الأمة الإسلامية ويَقتلعوا أصولَها ثم يُحيلوا أفرادَها وجماعاتِها إلى مُزَقٍ متناثرة هنا وهناك، وتراثَها ومنتجاتِها إلى حضارةٍ بائدةٍ تتحول إلى محفوظات أثرية في هذا المتحف أو ذاك.
ولا سبيل إلى رد هذا العدوان العاتي إلا أن تتصالح الأمةُ في كل شأن من شؤون الحياة مع الله سبحانه وتعالى، ويومَ تفعل ذلك تُفرزُ المؤسساتُ التعليميةُ والثقافيةُ والإعلاميةُ الجيلَ الذي يتنزل عليه نصرُ الله دون أن يَكِلَهُ إلى وُسعِهِ.
وحتى ننتقل أيها الإخوة المؤمنون من الحركة إلى العمل نوصي أنفسَنا وإخوانَنا بما يلي:
أ - قيام حركة واعية تعمل على تأسيس مرجعية علمية ربانية، والعلماءُ الربانيون عند ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما هم العلماءُ بالدين والدنيا، أو نقول: العلماء بالشريعة والسياسة، ووظيفةُ هذه المرجعيةِ العلميةِ الربانيةِ تتألف من وظيفيتين: الأولى: الدعوة إلى إشاعة ثقافةِ الطهر واقتصادِ الماعون، والثانية: النهي عن ثقافة الإثم واقتصاد السحت، والمقصودُ بثقافة الطهر شبكة العلاقاتِ الإنسانيةِ التي يوجهها العدلُ والفضائل، أما اقتصادُ الماعون فهو نظامُ الاقتصاد الذي يُعينُ الناسَ على إقامة الدين والتزامِ فضائله، أما ثقافةُ الإثم فهي ثقافةُ الفاحشةِ والمنكرِ والظلمِ، وأما اقتصادُ السحتِ فهو ذلك النظامُ الاقتصاديُّ الذي يَسْحَتُ - أي يستأصل - جهودَ الناس وفضائلَهم وحرماتِهم من أجل أقليةٍ مترفةٍ تحتكر المالَ وتُشيعُ الفسادَ والظلمَ والحرامَ المتمثلَ في الربا وتجارةِ الحروبِ والأسلحةِ، وتجارةِ المخدراتِ والجنسِ والملاهي والسياحةِ المحرمةِ، وتجارةِ السينما والأغاني الماجنة.
ب - تأسيس مراكزِ البحوثِ الإسلاميةِ التي تتحرى سلوكَ الأعداءِ وما يمكرون ويخططون، ودراسةُ اتجاهاتهم النفسيةِ ومواقفِهم لبلورة الحكمة في التعامل معهم، وأساسُ هذه التوصيةِ قولُه تعالى: (( وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )).
ج - انطلاقا من الهدي القرآني الذي يقرر أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لا بد من اجتماع علماء التربية الإسلامية لتزكية الأجيالِ المتعلمةِ من ثقافتين خطيرتين أفرزهما التعليمُ المستوردُ من أمريكا وأوربا، وهاتان الثقافتان هما: ثقافةُ العجزِ والكسلِ التي تُفرز الجُبنَ والبخلَ المؤدِّيَيْنِ إلى الفقرِ والمرضِ وغلبةِ الدين وقهرِ الرجال، والثانية: ثقافةُ الاغترابِ التي جعلت الدنيا أكبرَ همنا ومبلغَ علمنا، وأضعفت الانتماءَ إلى الأمةِ المسلمةِ ذاتِ الرسالةِ العالميةِ الداعيةِ إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما أن الثقافة الأولى فلأنها بَتَرتْ الدارسين عن مصادر المُقَدَّراتِ المحليةِ وصارت تُخرج أجيالا عاجزةً عن استثمار مصادر الثروة المحلية، ومعلوماتُهم ومهاراتُهم تقتصر على تلبية حاجات الأسواقِ العالميةِ المقامة لاستهلاك النصائح المستوردة من أوربا وأمريكا، ومعرفةِ التقنيات والمهارات اللازمة للعمل في هذه الأسواق.
وأما أن الثقافة الثانية هي ثقافة الاغتراب فلأنها أضعفت روحَ الانتماء إلى الأمة المسلمة، وجهلت الناشئةُ أصولَ الإسلام وتصوُّرَه عن الحياة وغاياتِها القرآنية، وصاروا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا غافلين عن الحياة الآخرة، وخرِّيجُ هذا النوعِ من التعليم مجردُ إنسانٍ مرتزقٍ يتكسب بعلمه الدنيوي في أي بلدٍ ويعمل تحت أي لواء يُقدِّمُ له الراتبَ والمالَ الكثيرَ، والسكنَ الوفيرَ، والعيْشَ الرغيدَ، واهتمامُه بالأخطارِ المحيطةِ بأمته قليلٌ يكاد يصل درجة الصفر، هذا في الوقت الذي ضاعفت فيه كلٌّ من بريطانيا وأمريكا الاهتمامَ بتعليم المسيحية والتاريخِ واللغة الأنجليزية، وإعادةِ كتابةِ التاريخِ البريطاني وتغييرِه من تاريخِ استعمارٍ للشعوبِ إلى تاريخ تحضيرِ الشعوب ونقلِها من البدائية إلى الحضارة.
د - تطوير ثقافة سياسية تُبَصِّرُ الأمةَ بأهميةِ ثقافة القسط الإسلامية وخطورةِ ثقافةِ الديمقراطيةِ الأمريكيةِ خصوصا وأن الديمقراطية صارت فتنةَ العصرِ التي تَمُنُّ بها الولاياتُ المتحدةُ على العالم، والحقيقةُ أن الديمقراطيةَ لا تستحقُّ هذه المنزلةَ التي احتلتها في الثقافة المعاصرة سواءٌ من حيث محتواها النظريُّ أو تطبيقاتُها العملية.
أما من الناحية النظرية فالديمقراطية تقوم على إطلاقِ حريةِ الأفرادِ والاحتكامِ إلى الأكثريةِ دون أن يكون لديها المعاييرُ العقديةُ أو الأخلاقيةُ إلا ما كان من رغباتِ الأكثرية وأهوائها.
وأما تطبيقاتُها العمليةُ فهي تبريرُها لكل سلوك، واعترافُها بكل شذوذٍ أو انحرافِ ونقلُه من قائمة الحرام إلى قائمة الحلال طالما كسبَ موافقةَ الأكثرية، الأمر الذي ينتهي إلى فسادٍ في الأخلاق وخرابٍ في المجتمعات.
أما ثقافةُ القسطِ الإسلاميةُ فقد بدأت بالرسل والأنبياء ابتداءا من رسالةِ آدمَ أبي البشر ومرورا بنوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرِهم حتى انتهت وبلغت كمالَها برسالةِ الرسولِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وفي محاضنِ هذه الرسالاتِ تكونت عاداتُ سكانِ الأرضِ المباركةِ وتقاليدُهم وثقافاتُهم وأنماطُ تفكيرهم ومساراتُ إراداتِهم ومنبعُ خواطرهم ونُظُمُ حياتهم، وإلى هذه الثقافة كانت الإشارةُ الإلهيةُ عند قوله تعالى: (( لقد ارسلنا رسلَنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقوم الناسُ بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم اللهُ من ينصره ورسلَه بالغيب إن الله قوي عزيز)) هذه هي المكوِّناتُ الرئيسةُ لثقافة القسط: كتابٌ إلهيٌّ يُرشدُ الناسَ، وميزانٌ يتعاملون طبقا لمقاييسه العادلة، وصناعةٌ حديديةٌ تُمِدُّ الناسَ بما يَنفعُهم في أوقات السلم والحرب.
أيها الإخوة المؤمنون: إن هذا الهجومَ الشرسَ على الإسلام والمسلمين يعود إلى الهواجس التي تنتاب أعداءَ الدين من انتشار الإسلام في العالم، فبالنظر إلى تقرير منظمة التسامح الديني بكندا، نجد أنه يُقَدَّرُ عددُ المسلمين عام 2003 بحوالي 1.226 مليار بما يمثل حوالي19% من إجمالي سكان العالم في ذلك الوقت، ويذكر التقريرُ أيضا أن الإسلامَ هو الدينُ الوحيدُ الذي تَنمو نسبةُ معتنقيه بينما تتراجع نسبة معتنقي النصرانية، وتشير أحدثُ إحصائيات الموسوعة العالمية ويكيبيديا أن عدد المسلمين قد بلغ حوالي 1.520 مليار بما يمثل حوالي 23.6% من إجمالي سكان العالم، وتتوقع منظمةُ التسامح الديني أن يكون الإسلام الدينَ الأولَ في العالم قبل عام 2023 طبقا لما ذكرته المفوضية الأمريكية.
ويذكر البروفيسور دانيال واجنر أستاذُ الدراسات العليا بكلية التربية في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية الذي سافر إلى أقطار العالم الإسلامي مستعينا ببعض طلبة الدكتوراه الوافدين من العالم الإسلامي وبتمويل من الشركات الكبرى ومؤسسة فورد والذي قضى خمسة أشهر يتجول في ديار المسلمين وكتب بعدها عددا من البحوث منها: تعليم القرآن في العالم الإسلامي المعاصر، يذكر في خاتمة بحثه هذا ما يلي: وبالرغم من التأثيرات الغربية القائمة فإن دُورَ القرآن ملتصقةٌ بالمساجد والنشاطَ قائمٌ فيها على قدم وساق )) ويضيف قائلا: (( من أندونيسيا إلى مناخ السنغال الحارِ ومرورا بالشرق الأوسط فإن جميعَ الأقطار التي مررتُ بها وجدْنا إسلاما عنيدا يعمل ليل نهار لصبغ المنطقة بالصبغة الإسلامية وتُهَيِّئَ السكانَ فيها لمواجهة النفوذ الأوربي الأمريكي )).
فهذه الصحوة الدينية في كل مكان، وهذا التوجُّهُ نحو الإسلام في كل صوب بدايةُ الغيث وأولُ العودة، ولعل أبرزَ ما في هذه العودة إلى الإسلام من العبر والعظات، أنّ المتعلمين والمثقفين هم أولُ النّاس مُسارعةً إلى الرجوع للدين، ممّا يدلُّك على أنّ العودة عودةٌ علميةٌ سليمةٌ، وأنّها ليست عودةً للجاهلين، ولا تقليداً للآباء والسابقين.
وهذه إرهاصاتُ بزوغِ شمسِ الإسلام نراها كلَّ يوم رأيَ العين، ويَعْلَمُها البصيرُ بتاريخ الأمم والشعوب، وهاهي دعواتُ الباطل التي جرى النّاس وراءها يوماً ما تنكشف للجميع على أنّها سرابٌ خادعٌ، وبريقٌ زائلٌ.. هاهي دعوات القوميةِ، والاشتراكيةِ، والانفتاحيةِ، والحريةِ، وادعاءُ الرقيِّ الكاذبِ، والإقليمية، يَظهرُ للجميع خواؤُها وتفاهتُها.. وهاهو نور الإسلام يَشعُّ من جديد تراه كلَّ يوم هذه الوجوهُ المضيئةُ من شبابِنا المؤمنِ وفتياتِنا المؤمنات.
وهاهي أحداثُ العالم، ومجرياتُ الأمور يوجهها خالقُ السموات والأرض، ومن بيده الملكُ كلُّه، ومن يقلِّب الليلَ والنهارَ، لتَخْرُجَ من جديد خيرُ أمةٍ أخرجت للنّاس بلباس جديد، وتاريخ جديد.
(( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب)).
أيها الإخوة المؤمنون: إني داع فأمنوا: اللهم لا تدع لنا – في مقامنا هذا - ذنبا إلا غفرته ولا دينا إلا قضيته ولا كربا إلا كشفته ولا هما إلا فرّجته ولا ميتا مسلما إلا رحمته ولا مسلما مسافرا إلا كتبت سلامته ولا طالب علم إلا أرشدته ولا خيرا إلا قربته ولا شرا إلا أبعدته ولا حاجة من حوائج الدنيا والاخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا ألهمتنا لقضائها بتيسير منك.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، إن الله وملائكته يصلون على النبيء يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، فصلوات ربي وسلامه على حبيبه وصفيه محمد r وعلى آله وأصحابه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة ليوم 16 جمادى الثانية 1432 هـ/ 20 ماي 2011.
الأستاذ: بورورو إبراهيم بن عمر.