إشكالات حول: الإنسان... والبيئة
هل فكرت يوما في حقيقة هذا الإسلام الذي تعتنقه ..
هل وفّرت شيئا من وقتك لتعلّمه والبحث فيه ..
لو التقيت بشخص ملحد وناقشك في وجود الله ووحدانيته ، هل تستطيع أن تقنعه باستعمال المنطق .. وفقط ؟
قلت باستعمال المنطق فقط ، لأنه لا يمكنك أن تقنعه بالآيات والأحاديث مادام لم يؤمن أصلا بالدين.. فإن كنت لا تستطيع أن تقنعه فهل هذا يعني أنك غير مقتنع..؟
هل سبق و أن تساءلت يوما عن الحكمة من كونك ولدت مسلما؟
هل هو امتياز حصلت عليه ؟.. إن كان كذلك فلماذا ؟
هل للبيئة دورا في كونك مسلما ؟
ما بال الإنسان الذي ولد في بيئة الإلحاد ؟
دعونا نناقش إشكالية عويصة،وهي دور البيئة في عقيدة الإنسان.
لنقارن بين شخصين من بيئتين مختلفتين..
لنسمي الإنسان الذي ولد في بيئة الإسلام : زيدا
أما الذي ولد في بيئة أخرى {الإلحاد أو الشرك} فهو: جون
هل "زيد" يعتبر أفضل من "جون'' بسبب أنه ولد من أبوين مسلمين ويعيش في مجتمع مسلم ؟
إن كان الأمر كذلك فما السبب في هذا التفضيل؟
هل قدم "زيدٌ" شيئا لله حتى كوفئ بهذه البيئة الطاهرة المسلمة ؟
وهل أقدم "جون" على جُرم حتى يعاقب بالبيئة الكافرة الملحدة؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: أين يكمن عدل الله ؟
ما ذنب جون ؟؟
زيد يسمع الأذان والإقامة منذ لحظة ولادته، يتعلم كلمات.. الله ..الرسول ..القران ..مع أوائل الكلمات التي ينطقها ..
يحفّظونه السور الصغيرة وهو في مرحلة الحضانة.. يعلّمونه الصلاة لسبع أو لعشر سنين.. يصوم رمضان مع كل المحيطين به ... كل من حوله مسلم .. وكل ما حوله ينطق بالإسلام.
أما "جون" ...فيا حسرة عليه ...
طوال طفولته قد لا يسمع عن شيء اسمه الإلاه إن كان أبواه ملحدين،وسوف يرتاد الكنيسة مع والديه إن كانا كتابيين.. وقد لا يسمع عن الإسلام حتى مرحلة الرشد من زملائه في العمل أو الدراسة، وقد لا يول الأمر أي اهتمام إن كان من الصنف الذي لا يكلّف نفسه عناء التفكير كثيرا، بل الأكثر من ذلك قد يقتنع بالصورة الخاطئة للإسلام بارتباطه بالإرهاب ...؟
دون أن ننسى أن الإلحاد له نظرياته التي يعلّمها للناس باسم العلم كنظرية التطور التي تقدم تفسيرا لنشأة الخلق، بطريقة تجعل الإنسان يقتنع إلى حد ما بأن الكون لا يحتاج إلى خالق ، بل لا يعدو الأمر أن يكون عبارة عن تفاعلات كيميائية بين المكوّنات الأساسية للمواد العضوية مع عوامل خارجية كالأشعة الكونية، فتتكون المادة الأولية ثم تتطور مع الوقت....حتى تصل إلى القرد ومن ثم ..الإنسان.
إذن . أليس من العسير على جون أن يدرك حقيقة الإسلام؟؟
ما ذنبه ؟؟
لم أقل أنه من المستحيل عليه أن يصل إلى الإسلام ...لا ..لأن الواقع ينبئ بالآلاف من الملتحقين بالإسلام عبر العالم مثل وضعية جون .. بل قلت : أليس أمرا عسيرا؟
ألا ترى أن الوضعية معقدة عليه ؟
تخيل جون في الصحراء .. وسط الرمال ..يبحث عن طريق النجاة في تلك الفلاة.. قد يصل إلى الطريق المعبّد..لكن بعد أن يقطع الجبال والوديان والأنهار..
أما صاحبنا زيد ..فهو منذ البداية على جانب الطريق المعبّد ..عليه أن يتبعه وسيصل إلى بر الأمان ... دون أدنى جهد يذكر ؟
أليس محيرا؟ أليس الأمر غريبا نوعا ما ...أليس هناك إشكالا حقا؟؟
ما ذنب جون ؟
قد يصل إلى حقيقة الإسلام.. لكن هناك عقبة كؤود في انتظاره وهي :ردة فعل الأهل والأقارب والأصدقاء.. يعارضونه.. يخطئونه.. يسفّهون تفكيره..بل وقد يهجره بعضهم.
أما زيد فقد يتهاون في الصلاة فيجد أهله يعاتبونه .. قد يأتي بتصرف خاطئ فتجد صديقه أو جاره يقوّمه ..
ما هذا التناقض .. ؟
وللمرة الثانية نـتساءل أين عدل الله تعالى ؟؟
قد يقول قائل بأن لا أفضلية لأحد على الآخر ..
فزيد سيحاسبه الله تعالى عن ما يعلم .. فكونه يعلم عن الإسلام الكثير فهو سيحاسب بشدة
أما جون فسيحاسب حسب ما يصل إليه ..إن أدرك التوحيد فقط ولم يصله شيء عن الإسلام أو النبي فهو ناجِ.. وإن أدرك شيئا عن الإسلام كالشهادتين والصلاة ولم يتسنّى له أن يدرك باقي الفرائض دون تهاون منه أو تكاسل ..فهو ناج .. وبالتالي حسابه يكون أسهل وأخف من زيد ..
نعم هذا كلام معقول... لكن لا يجيب على الإشكالية ..
ولكي تفهم أخي القارئ ما أرمي إليه .. دعني أقدّم لك هذا التصور
تخيل نفسك مكان جون...
هل تعتقد أنه من السهولة بمكان أن تدرك الإسلام وأنت في بيئة ملحدة ؟؟
ـ قد تدرك وجود الخالق ببساطة المنطق لأن لا شيء في الكون يوجِد نفسه ذاتيا ... لكن أن تدرك أن الدين الحق هو الإسلام ..في خضمّ هذه المئات والألوف من الديانات .. فهذا ليس يسيرا ..
ـ قد تميل إلى المسيحية ببساطة تعاليمها .. أو إلى البوذية لغرابة طقوسها .. قبل أن تفكر في الإسلام المليء بالفرائض والمحرّمات .. وأكثر من ذلك هي الديانة الأكثر اقترانا بالإرهاب والعنف خصوصا في الآونة الأخيرة ؟؟
ـ وقد تكون من الناس الكثيرين الذين لا يولون لموضوع الديانة أي اهتمام ..و لا يريدون التفكير في الأمور اللاهوتية لأن العلم لا يؤمن بالغيبيات، وبالتالي هيهات أن تصل إلى الحقيقة.
ـ بل حتى إذا كنت متدينا بديانة ما، فقد تنفر من مناقشة الموضوع إذا ما ناقشك أحد زملائك المسلمين، لأنك تعتقد أن الديانة عبارة عن إيمان ،ولا دخل للتفكير والمنطق في الموضوع، فلتختر أي إلاه وانتهى الأمر .
ـ وربما قد تعترض على زميلك وتقول: ما هذه الإشكالات السخيفة .. ماذا تريد من ورائها .. أنا لا أريد أن ادخل في هذه الفلسفات العقيمة .. أنا متدين وكفى .. لا أريد أن أفكر في هذه المواضيع ..
===============================
إذن .. أعتقد أنك أدركت الآن وضعية جون،وأن أمامه مجهودا لا يُستهان به من التفكير العميق .
حسنا.. ماذا عنك أخي المسلم، أنت تدرك الإسلام دون أدنى تفكير ودون أدنى مناقشة مع نفسك، نشأت على ديانة ومارستها عن تقليد منذ الصغر ولازلت تمارسها إلى الآن.
هل يعتبر هذا عدلا؟
قد تتضايق من هذه المناقشة لاعتقادك أن لا طائل من ورائها وأني أريد أن أثير زوبعة حولي،وقد تنصحني بالتفكير في أمور أخرى لها شأن أهم في نظرك...
أعذرك أخي الكريم .. لكن تأكد أنك الآن في ورطة كبيرة ..
أنت لا تريد أن تفكر .. اقتنعت بالدين الذي نشأت فيه تقليدا وانتهى الأمر .. لكن هل أنت متأكد أن الدين الذي تتبعه هو الحق ؟
هل قمت بالتأكد من هذا أم أنك وضعت ثقتك في البيئة التي ربّتك وكفى ..
كي تفهم قصدي دعني أقدم لك هذا الافتراض ..
لو أنك ولدت من أبوين مسيحيين .. بعد ثلاثين أو أربعين سنة من عمرك هل ستصير مسلما أم ستبقى مسيحيا ؟
في بداية حياتك ستكون مسيحيا بطبيعة الحال .. ثم عندما تصل سن الرشد ويناقشك مسلم عن الدين، ترى كيف ستكون ردة فعلك؟ بما أنك لا تريد أن تُعمل عقلك وتفكّر ، ستكون لك حتما إجابة من هذا النوع: ما هذه الإشكالات السخيفة .. ماذا تريد من ورائها .. أنا لا أريد أن ادخل في هذه الفلسفات العقيمة .. أنا مسيحي وكفى لا أريد أن أفكر بهذه الطريقة ..
وإن كنت من أبوين بوذيين ستستبدل كلمة مسيحي بــبوذي وهكذا دواليك ...؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الديانة التي تتبعها هي التي نشأت عليها،اقتنعت بها تقليدا دون تفكير ، بعبارة أخرى: أنت مسلم لأنك من بيئة مسلمة ،وستكون مسيحيا لو ولدت في الفاتيكان..أو بوذيا لو ولدت في الهند ..أو ملحدا لو ولدت في روسيا أو أمريكا...
بما أنك من بيئة الإسلام ،فأنت بالتّبًع ..مسلم !
أليس هذا إشكالا ؟.
حسنا..
هل لاحظت الفرق الشاسع بين جون وزيد..
لماذا هذا الفرق ؟ ما الحكمة ؟
لماذا كُتب على جون كل هذا العناء ليصل إلى حقيقة الإسلام ؟
هناك الملايير من البشر مثل جون ..
أما زيد فأمثاله مئات الملايين عبر الوطن العربي الإسلامي ...
لماذا كُتب عليهم أن يولدوا في وسط إسلامي دون عناء يذكر
لماذا لم تكن البشرية كلها مثل جون .. عليهم أن يبحثوا عن الحقيقة بأنفسهم .. أو يكون الناس كلهم مثل زيد ..
الحاصل أن يكونوا كلهم بنفس الحظوظ ؟؟
أيـــــــــــــن العــدالة؟
العدالة موجودة طبعا لأن الله تعالى موجود.. لكن كيف؟
لكي نحل هذه الإشكالية .. دعونا نقدم هذا الافتراض: لا فرق بين من يولد في بيئة مسلمة مثل زيد وبين من يولد في بيئة الكفر مثل جون..
الكل لهم نفس الحظوظ..
كل إنسان عندما يولد يتبع البيئة التي نشأ عليها، يهوديا أو مسيحيا أو ملحدا أو مسلما.. لا يهم، ما دام الإنسان لم يصل سن التكليف فقد رفع عنه القلم،أي كل الناس سواسية عند الله مهما اختلفت البيئة. مثل سباق الـ100 متر، كل المتسابقين لا زالوا عند خط الانطلاق قبل إعلان البداية،
والبداية هنا هي عمر التكليف، متى بدأ عقل الإنسان يفكر بدأت محاسبته وبدأ قلمه يكتب عنه، و بدأ السباق.. والسباق هنا هو سباق فكر..أيّ المتسابقين يعمل تفكيره في ما حوله ليكتشف وجود الخالق ووحدانيته، وبالتالي.. الدين الحق الذي يتطابق مع ما اكتشفه من صفات الخالق، الكل معنيون بالسباق.. حتى هذا المسلم إذا مارس عباداته وهو لم يفكر يوما في حقيقة هذا الدين.. يعتبر في نقطة الانطلاق لم يتحرك قيد أنملة، إذن لا معنى لعباداته، عليه أن يبذل المجهود الذي يبذله غيره للوصول إلى حقيقة الإلاه، مثل غيره تماما.. هنا فقط يمكن أن نقول بأن هناك عدالة
إذن يمكن أن نقول بأن الفرضية أصبحت حقيقة.
البيئة لا دخل لها في الموضوع تماما!!
الطالب: قزريط داود بن حمو