موقع إروان   أضفنا إلى المفضلة اجعلنا صفحة البداية   الصفحة الرئيسة
خارطة الموقع ساهم معنا اتصل بنا سجل الزوار مواقع فرعية  
 
 
 
 
مساهمات فكرية - خطب   2011-08-20
مراقبة الله تعالى لعباده
 

الخطبة الثانية

الحمد لله الرقيب على العباد, العليم بذات الصدور, الحفيظ على كل شيء, الشهيد على الأفعال, عالم السر وأخفى, وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات العلى, ذي الأسماء الحسنى, حفظ جميع ما كسب العباد وأحصى, لتجزى كل نفس بما تسعى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين.

عباد الله إن من آلاء الله على الإنسان أن كرمه وفضله على كثير من خلقه, وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، واستخلفه للتصرف فيها كيف يشاء. لكن الله أورثه حياة محدودة تنتهي بالموت، فيها يختبر, وبعدها يسعد أو يشقى أبد الآبدين، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك : 2]. وفي فترة امتحانه تسلط عليه أضواء المراقبة من كل جانب, لتسجل جميع أقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة بدقة وعلم. وبعدها يحاسب حسابا دقيقا ثم يوفى أجره.

 فلا يمكن أن يترك مهملا دون مراقبة في الدنيا ولا مجازاة في الآخرة, (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة36]. (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)) [المؤمنون].

إن من كمالات الله عز وجل أنه قيوم في ملكه, (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة : 255], فهو القائم بتدبير الملكوت كله أحسن التدبير، والقائم على كل نفس بما عملت في الدنيا,(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد33], فهو العالم بأحوالها وأعمالها, المراقب لها أتم الرقابة, (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء : 1]. فللإنسان أن يعمل ما يشاء فربه يبصر كل شيء, (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[فصلت:40], وليقل ما يشاء فإنه يعلم كل قول في السماء و الأرض (قل رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنبياء : 4]. ولا يمكن انفلات شيء من الذنوب المرئية والمسموعة والمكنونة عن علم الله تعالى, (وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء 17].

إخوة الإيمان اعلموا أن رقابة الله لا تضاهيها أي رقابة مهما تطورت واستعملت أحدث آلات التصوير والكاميرا، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران : 5]. فما بال كثير من الناس يخشون ارتكاب أدنى سوء أمام أعين البشر, ولا يتحرجون من فعل المنكرات تجاه عين الله (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) [النساء : 108].

فإذا كانت رقابة الإنسان وآلته لا تتعدى العلن والظاهر فإن رقابة الله تخترق كل ستر وحجاب, لتطلع على كل ظاهر ومستور ومكتوم. فالظاهر من الأفعال يعلمه الله (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [النحل91], إن كان خيرا فاطمئن واستبشر, وعلق فيه أملك, فإنه لن يجهله الله ولن ينكره (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [البقرة : 197], (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [البقرة270]. وإن كان شرا فاحذر وترقب عاقبته الوخيمة إن لم تتب وتستغفر الله.

ومهما أسررت من قول فإن الله مطلع عليه (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه : 7], (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[التغابن4], ويستوي عند الله السر والجهر في القول، كما يستوي عنده الاستخفاء بالليل والظهور بالنهار, (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد : 10]. بل يعلم أيّ سر في السماوات والأرض, (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: 6], وكل نجوى بين اثنين أو أكثر فالله معهم حاضر عالم بها, ثم ينبئهم يوم القيامة عنها, (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[المجادلة7].

وكل مكتوم في القلب ظاهر عند الله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) [الأحزاب:51], ولا يخفى عنه ما تسترقه العين في رمشة، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر19]. فالله تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده علما وإحاطة, وإنه مطلع على ما تحدثه نفسه من الوساوس والخواطر, (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق : 16]، فيستوي عنده تعالى ما أبداه الإنسان وما أخفاه في قلبه، (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران : 29].

إخوة الإيمان إلى أين المفر؟ فرقابة الله تحاصرنا من كل جانب, كيف الاستتار؟ فأسرارنا مكشوفة للرقيب في كل حين, ما الحيلة؟ فسوآت قلوبنا عارية. فليس لنا إلا أن نتدارك الأمر بالتوبة والاستغفار والسعي في حمل نفوسنا على طاعة الله ورسوله, وإلا فالأمر جد ليس هزلا, والاختبار دقيق ليس سهلا. فالحذر الحذر عباد الله!! إن ربكم يوصيكم ويقول لكم: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة : 231], (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  [البقرة : 233], (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الحجرات : 1], (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة : 8], (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [المائدة : 7].

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنه يوجد مع الرقابة الشديدة الحفظ الدقيق لمَلَفات العباد في كتب مرقومة لا تمحى كتابتها أبدا. وأعظم حافظ لها هو الله جل جلاله (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) [سبأ : 21]. فهو يحفظ جميع أفعال العباد وأقوالهم في كتاب بيّن واضح، (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)[يس12], يسجل ما قدموا في حياتهم من أعمال وما تركوه أثرا بعد موتهم, كسنة حسنة أو سيئة. وكل ذلك مضبوط بوضوح ودقة, (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) [النبأ : 29].

ولله تعالى ملائكة خاصة, يرسلهم إلى عباده, ليحفظوا أفعالهم وأقوالهم بالضبط والإحصاء، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) [الأنعام : 61], ولكل شخص رقيبان يلازمانه, وذلك بقعود أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال, ولا ينفكان عنه حتى يموت. وهما مهيآن لكتابة كل ما يتلفظ به أو يفعله في كل حين, (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) [ق], وهما يتبعانه من كل جانب, ويراقبانه في كلّ أحواله من إسرار وإعلان، وسكون وحركة، (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد : 11], فهما أمينان شريفان, لا يمكن أن يكذِبا أو يهما, أو يتوانا في وظيفتيهما, (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) [الانفطار ], فإن عمل صالحا فلا نكران له,فإنهما يكتبانه بأمر الله, (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) [الأنبياء94]، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة120], وإن عمل سوءا كتباه كذلك, (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء81], (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)) [الزخرف].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين, وأشهد أن محمدا عبد ورسوله, إمام المتقين وسيد المرسلين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين.

وبعد، اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن يوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر : 51], حيث يكون فيه شهود يشهدون وآخرون يشهد عليهم, (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) [البروج].

إن المجرم ـ عند المحاكمة ـ لا يألوا جهدا في تبرئة نفسه من كل الجرائم المنسوبة إليه، وتدرع بالكذب وأغلظ الأيمان حتى يحمي نفسه من الهلاك, (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ  نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)) [الأنعام].

لذلك أعلمنا العزيز الحكيم بوجود الأشهاد يوم القيامة, فمنهم من يشهد بقيام الحجة على الناس، ومنهم من يشهد على أفعال العباد. وأعظم شهادة شهادة الله تعالى، (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) [الأنعام : 19]، فهو شهيد على صدق الرسل وتبليغهم للرسالة، وشهيد على جميع أفعال العباد، (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [يونس : 46], (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة : 6].

وقبل محاسبة المجرمين يتقدم الأشهاد ليُدلوا بشهاداتهم، (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر:69].

فيشهد الرسل بقيام الحجة على أقوامهم وأنهم قد أنذروهم وذكروهم بالله، (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تَسَّوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)) [النساء]. ويشهد مع الرسل الدعاة إلى الحق بإنذار الناس وترشيدهم, (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة : 143], فالمؤمنون الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر يكونون شهداء يوم القيامة مع الأنبياء والمرسلين.

 والوسطية في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) تعني الخيرية, فهم خير أمة بسبب إيمانهم وأمرهم ونهيهم، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران  110].

وقد دعا الحواريون الله أن يجعلهم من الشاهدين لما بايعوا عيسى بن مريم على نصرة دعوته, (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52)رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53))  [آل عمران]. وهؤلاء الشهداء وعدهم الله بالأجر والنور يوم القيامة, (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) [الحديد : 19].

ثم إن هناك شهودا على الأفعال, وهم الملائكة الحفظة الذين كلفوا بمراقبة أفعال العباد وأقوالهم وكتابتها في الدنيا, (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) [ق : 21].

ثم تشهد الجلود والجوارح فتنطق, حتى لا يقدر المجرم على إنكار شيء مما فعل, (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [يس : 65], فتشهد اليد إن سرقت أو قتلت أو ضربت بغير حق, ويشهد الرِّجل إن خطا إلى الحرام, وهكذا كل الجوارح, فيبكم الفم عن النطق والإنكار، بل حتى اللسان يتكلم بغير إذن صاحبه إن قال إثما في الدنيا، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور : 24] بهذا يصير جلد الإنسان وجوارحه أعداء له وشاهدة عليه لا له، لأنه لم يسخرها لطاعة خالقها، بل أخضعها لعدو ربها, فتنكرت على صاحبها, (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)) [فصلت].

هكذا يجد المجرم نفسه وحيدا ذليلا لا ولي له ولو من أجزاء نفسه, ولا يملك إلا أن يقر بالحقيقة المرة, فيشهد على نفسه بالكفر، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) [الأعراف : 37].

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فإنه خير ما أوصيكم به, ولا حيلة ولا ملجأ لكم من الله إلا إليه, فتوبوا إليه واستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ, أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ, وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ, رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ, رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ, رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ, رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ, وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

 

 

 

 

 

 

تقديم
التعريف بالمؤسسة
الشيخ عمي سعيد
التربية والتعليم
الأنشطة والأخبار
فضاء الطالب والأستاذ
معهد عمي سعيد
مدرسة عمي سعيد
قسم التخصص
قسم التراث والمكتبة
قسم الدورات والتربصات
قسم المناهج والتكوين
قسم الإعلام والعلاقات
نادي النشاط الثقافي والرياضي
زوارنا من
زوارنا من
المتواجدون حاليا